وبهذا الكمال والتمام كانت الهداية للمتقين، وهم الكَمَلَةُ الأتَمَّة {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} فوافق التمامُ والكمالُ بالحفظ لكتاب الله، الهدى الذي جعله الله وصفًا بكرامته للمتقين، وهل كان يكون الهدى بكماله وتمامه، إلا ليستقيم أهله على صحة الهدى، الذي لا تسلم له صحته إلا بكماله وتمامه، وهل يكون التمام والكمال إلا بالصحة الكاملة التَّامة، التي جعلها الله سبحانه لباسًا لكتابه، فكان الكمال بالصحة، وكانت الصحة بالكمال، وأيُّ نقصٍ يحدث للشيء يفقده الصحة والكمال معًا، إلا ما يكون لبعضٍ من أَجزائه، إن كان يمكنُ تجزِأته، أما أن يوصفَ بالصحة بكلِّه فذاك لا، وما كان ليكون وصف بصحةٍ إثباتًا، ولا بعكسها سلبًا ونفيًا، إلا بالكمال إثباتًا أو نفيًا.
ومثل ذلك في الدلالة والاستدلال قوله عليه الصلاة والسلام:"إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق"، وما كان صلاحُ الأخلاقِ إلا باجتماعها كلِّها، وبتمامها جميعها، وباتلافِها على صعيد واحد، إذ كلُّ خلق منها مؤَثِّرٌ في غيره، متأثِّر به، فالأخلاق كالأحكام لا تصلُح، ولا تُحدِث أثرها المطلوبَ المقصودَ من الأخذ بها والعمل بها إلا بكمالها، وتمامها، وهو ما صرَّح به هذا الحديث. إذًا: فمن هنا نتبيَّن، أنْ لا كمالَ إلا بصحةٍ، ولا صحةَ إلى بكمالٍ.