الصفحة 66 من 194

وعلى هذا؛ فالإيمان -كما عرّفه الراغب الأصفهاني - هو:"إذعان النفس للحقِّ على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثةِ أشياءَ: تحقيق بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ - بحسب ذلك - بالجوارح، وعلى هذا قوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد: 19] "أ.هـ (6) .

ولا يكون إذعانٌ يَسْلم من الشوائِب؛ إلاّ بتحقق هذه الثلاثة، فإن تخلّف واحدٌ منها كان إخلالًا بحقيقة الإذعان، وسلبًا لمعنى الإيمان.

وأعلم الأمة بحقائق الأشياء، والمسميّات التي تَهدي إليها الأسماء، والمعاني التي تدل عليها الحروف والكلماتُ؛ هم أهل الصدر الأول، ممن أفاءَ الله عليهم -سبحانه- بصحبة النبي ×، وشهود نزول الوحي، والإحاطة الكاملة بلغته، ومدارك أحكامه، ومقاصد بلاغاته وخطاباته (7) ، فلو كان شيءٌ يصرف عن المعنى المتبادر من كلمة:"من تركها فقد كفر"إلى غيره؛ لكان شيئًا يعرفه أولئك الذين سعِدوا بصحبة النبي ×، وكانت لغة العرب سائغةَ المذاق على أسلاف ألسنتهم، وحيث إنَّ شيئًا من ذلك لم يكن منهم ولا فيهم؛ فلن يكون فيمن بعدهم، ممن رضُوا أن يكونوا على مثل ما ماتوا عليه -رضوان الله عليهم-، أمَّا من فارقوا الصحابةَ وعلمَهم؛ فلهم أن يكونوا حيث تريدُ لهم أهواؤهم، وكما يُبْدي لهم زخرفُ باطلهم، إذ أعرضوا عن الحق الذي أجاءَ الله إليه أولئك الأصحابَ الأخيارَ، فَشرَعوا -لمن بعدهم من الأجيال العاقبة- ما رضي الله به عنهم، ورضوا عنه، ولن يكون زخرفُ الباطل، وإرادةُ الأهواءِ على شيءٍ مما شرع الأصحاب الأخيار، من منهج علمي ملأ الآفاق نورُه، وصيَّر أهله سادة الدُّنيا في العلم، وهل يستوي النور والظُلمات؟! أم هل يستوي الهدى والضلال؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت