وعليه؛ فإنَّ الجحود جحودان: جحودٌ خفيٌّ؛ هو جحودُ القلب، وجحود جليُّ؛ هو جحود الجوارح، وكلاهما تركٌ، ولربما كان جحود الجوارح أشدَّ وأنكرَ لحقيقة الإيمان من جحود القلب (8) ، ذلكم أنَّ جحود القلب خفي لا يبين، أمّا جحود الجوارح، فبادٍ جليٌّ، لا يخفى، وهو لذلك أدلُّ على المقصود، ولا يردُ هنا أن يقالَ: إن الكفر هو الستر، وإن قيل: هو الستر، أفليس ما تركته الجارحة من حقِّ عليها، أوجبته عليها حقيقة الإيمان بظهوره، فنبذَته من ورائها، فجعلته مستورًا، بتركه هو من هذا المعنى؟! فصار بهذا ظاهرًا مكشوفًا من جهة، خفيًا مستورًا من جهة أخرى، فظهوره أنه لا يُرى مأتيًّا به من الجارحة، وستره مِنْ حيث إنّه متروكٌ لم تفعله الجارحة، بل إنّ الجحودَ القلبيَّ قد يظهر على الجوارح فعلٌ يدل بظاهره على الإيمان والتصديق، وهو ليس كذلك، كما هو شأنُ المنافقين الذين يخادعون الله وهوخادعهم (9) .
ولا شكَّ أنَ الإيمانَ الصحيحَ هو بالتطابق بين إيمان القلب المعنوي، وبين إيمان الجوارح العملي والمعاصي التي تدنو من الكفر والشرك لا تَنفي الإيمان عن العبد؛ ويكون العبد بها مؤمنًا مع معصيته، وعاصيًا مع إيمانه، وهذا أمر ارتضاه جماهير العلماءِ الأخيار (10) .
أمَّا إن كانت المعصية كفرًا وشركًا صريحًا، أو كانت تُسمّى: كفرًا أو شركًا؛ لمشابهتها الشركَ أو الكفر (11) ؛ لأنّ الله -سبحانه- وصفها به، ولا صرافَ لهذا الوصف عنها، ولا يُغني التأويلُ عنها شيئًا، إلاَّ بتكلُّفٍّ ثقيل؛ فأنَّها - أي: المعصيةَ -، حينئذٍ - هي الكفر والشرك، والكفر والشرك هي، لا فرق بين هذه وبين تلك، إلاَّ بالمركَّب الحرفي من كلمة واحدة أو من أكثر، مثال ذلك: قوله × -الذي أخرجه مسلم في"صحيحه"عن جابر -رضي الله عنه-:
"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة".
ومثله ما رواه أحمد وأصحاب"السنن"عن بُريدة بن الحُصيب الأسلمي، أنّه سمع رسول الله × يقول: