إذًا؛ فلم يَبق أمام مُريد الحق؛ إلاّ متابعةُ أهله من القرون الثلاثة الأولى؛ الذين أصابوا النُّور، وهُدوا به حيثما حلُّوا، وكيفما كانوا، وصاروا -بتوفيق من الله- سادةَ القرون، بل لم يُدرَكوا؛ إلا ما كان في كل قرنٍ من طائفةٍ وَلِيَتْ أمرَ الله على مراده، فكانوا كما كانوا، أسأل الله أن نكون على الذي كانوا، وأن نلقاه عليه.
وحتى يتبيّن لنا الحقُّ بأمر ربّنا - سبحانه - علىمراده؛ بإذنه وتوفيقه؛ فإنه لا بدَّ من إعمال النظر في هذه النصوص جملةً واحدةً، إعمالًا سهلًا، هيّنًا، قريبًا - إذ ما تُؤذنُ به أظهرُ وأوضحُ من أن يتعب المرءُ قلمَه في الاستجلاء، والاستنباط-؛ لكي يجمع أجزاءً متفرقةً من القناعة العقلية؛ يصلُ بها الحكمَ الصحيح؛ الذي تَهْدي إليه هذه النصوص.
وإنه لغريب حقًا؛ أن يكون هدمٌ لهذه النصوص، أو محاولةٌ لهدمها بفهم اشتطَّت به أقلام، وتزاحمت عليه أفهام، تزعم -جميعُها - أنها على منهج العلم الصحيح، فتخرجها عن قِيَم الجادّة، وهي تَحيص في دائرة التقليد، زاعمةً أنّها قافيةٌ باجتهادٍ جديدٍ، أثر الاجتهاد التّليد، وهي -والحق يقال - ليست بشيءٍ، ولا إلى شيءٍ، ولا في شيءٍ، ولا من شيءٍ!
ولسوف نأتي على ما نرى أنَّه الحق -إن شاء الله -، ولستُ أنا بالسابق إليه، فإنّا نبطىءُ في زمانٍ لا يَحسُن فيه إلا الإبطاء، ومن زعم أنّه يحسنُ الإسراعَ فيه، فاسْتُه على لاهبةِ قيْظٍ من صحراءَ مجدبةٍ، مُرْملةٍ، شاسعةٍ، فلْيسرع بالقيام من قبل أن تذوب إليَتُه! من لاهبة القيظ.
وأحسبني في غنى عن ذكر أمر في نفسي وعلى ملأ، لا ينهض ولا يعلو في الناس إلا ومعه حجته القوية، وبرهانه الظاهر المنيف، وهو: