الصفحة 70 من 194

إنّ مسألة التكفير برمتها - وقد دارت رحاها بين الإفراط وبين التفريط منذ القرن الأول - لم تكن سببًا في نشوء عداوة ولا في زيادتها بين الخيرة من علماء الأمة، إلا ما كان بين من استقام على سواء الحق في المنهج العلمي وبين من أزرى على نفسه بما أصاب من إسراف في الجهل، واقتراف لآثام البغي، واجتراح لمودات من عادى الله ورسوله وهاجت به سوافي التأويل والتعطيل والتشبيه فانتصر الأولون للحق الذي هم عليه، وأرغى وأزبد في باطله الآخرون (13) .

وأما الذين اختلفوا في تكفير تارك الصلاة من قبلُ، فلم يكن منهم فيما كان بينهم إلا محض اختلاف في مسألة فقهية، خرجت عن حيز الاتفاق الذي كانوا يرونه الأحسن لو كان، أما وقد خرج عن حيز الاتفاق، فلا ينبغي أن يكون إلا اختلافًا في الرأي، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يفسد في الود قضية كما قيل (14) .

أما انشمار النفوس، وتبرم القلوب، وتقطع المودات، الذي صار إليه

أهل العلم وطلابه - باختلاف الأنظار في مسائل العلم - فإنه دليل جهل وغياب ورع!! ولا أدري والله متى يعقل هذا الأمر على وجهه، ويصار إليه بأدب العلم العالي؟! (15) .

بل أنه هو ظاهر الكتاب العزيز الذي أخذ به وصار إليه الجمَّ الغفير من علماء الأمصار السابقين واللاحقين ممن قال بتكفير تارك الصلاة، منهم الإمام أحمد، وإسحق بن راهويه، وعبدالله بن المبارك، فإن أصاب هؤلاء فقد أصاب معهم آخرون، وإن أخطأوا فذلك من جبِّلة البشر القاصرة، فلماذا إذًا التعادي والشموس والتصابي؟! ولا أحسب الاختلاف إلا منشورًا لواؤه فوق رؤوس مسائل العقيدة وأصول الأحكام، منذ أن كانت وأُتيت من كل شراحها (16) .

وحسنٌ أن نبيِّن هذه المسألة مرتبَّةً على النحو الآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت