* ثالثًا: ونحن نقرأ في بعض ما جاءَنا من صحيح الخبر، وقَيِّم الأثر؛ ما اصطلح عليه علماءٍ المصطلح بـ (الإدراج) (17) : تأويلًا لغامضٍ، أو إظهارًا لخفيٍّ، أو توليفًا لمتفرق، وهو شيءٌ كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يصنعونه: أداءً للأمانة، وبيانًا للحق، وإبراءً للذمّة؛ بما علموا من أنفسهم، أو بما بيّن لهم نبيُّهم؛ لئلا يكون لمن بعدهم -ممن قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} - حجة عليهم، وهذا الإدراج، ما رأيناه في شيءٍ من مثل قوله ×:"من تركها فقد كفر"، ومن قول تلك المرأة التي جاءت تشكو بعلها للرسول ×:"إني أكره الكفر في الإسلام"، إذ اللفظ في كليهما -بسياقه وسباقه- دالٌّ على ذاته بذاته، وما علمنا خلافًا حدث بينهم باختلافهم على معناه، ولو كان لأتانا خبرُه، ذلكم أنَّ استقامة العربية على ألسنتهم وفي عقولهم؛ لم تكن لتعجزَهم عن الإحاطة بالمعنى المراد من لفظ من مثل هذا اللفظ؛ باختلاف مواقعه وسياقاته.
والحجة -ولا ريب- فيما كان فيهم ومنهم، أو فيما كان قريبَ عهدٍ منهم (18) .
* رابعًا: ولعل من يذهب إلى التفريق بين كفر وبين كفر، في قوله ×:"من تركها فقد كفر"، فيقول بكفر جاحدها دون غيره، ممن تركها من غير جحود -كما يزعمون-؛ لم يأته -أو لم يبلُغه- من مكان قريبٍ أو من مكانٍ بعيدٍ، أنَّ أحدًا من الصحابة لم يفرّق بين هذا وبين ذاك في الحكم عليهما معًا بالكفر؛ لأنّ الوحي لم يجعل سبيلًا للنبي × أن يقع في قلبه هذا التفريقُ بينهما؛ بعلم أتاه به، أو باجتهاد من عند نفسه، وإلا لما كان هذا الإجماعُ الذي أذهب عنهم سوءَ الخلاف في هذه المسألة، وعاشوا من غير أن يكون ذكرٌ لهذا الفرق الذي صار في القرون اللاحقة (19) .