الصفحة 74 من 194

إذًا: فأيُّ القولين أحقُّ بالرد على مثل هذا التصور المائل عن الجادة، قول عبدالله بن عباس رضي الله عنه (كفر دون كفر) ، وقد ثبت عن بعض جلَّة الصحابة مخالفته، أم قول: عبدالله بن شقيق ولم يثبت عن واحدٍ من الصحابة مخالفته، إن كان الحق أحقَّ أن يتبع عند هؤلاء، فليس بمضيرهم إذًا: أن يَدَعوا مثل هذا القول لمن هم دونهم إن كانوا يظنون أنفسهم من كبار طلاب العلم، لعلهم يعقلون قول القائل: (قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) مع اعتذاري الشديد لهذا القول وقائله، فلعلي أخطأت في الاستشهاد إذ قلت: (قد يوجد في النهر ) فإنه لا نهر حتى يقارن بجدول، لكنه المثل، والأمثال لا تُغَيَّر، حتى ولو كانت تخطىءُ مواردها التي تساق إليها.

وقتها؛ فهو كافرٌ مرتدٌ، صرّح بذلك -كما قال-: عمر، وعبدالرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة رضي الله عنهم.

إذًا: فإنَّ من يفرِّق -في مسألة تكفير تارك الصلاة- بين جاحدها وبين غير الجاحد يعوزُه الدّليلُ على هذا التفريق، كما يلزمه أن يأتي على خبر واحدٍ من القرن الأول يفرِّق هذا التفريق، الذي أودى بالصلاة، وأذهب من قلوب الأمّةِ مع الأيام قدسيتَها، ولا سبيل إلى واحد منهما، إلاّ أن يكونَ غمض حاله، أو اضمحل ذِكرُه، أو لا زال محفوفًا بالخفاء أمره (20) .

وليكن منا انتظار أن يظهر علينا يومًا من يقول لنا: إفرحوا أيُّها المسلمون، فقد جاءكم من يضع عنكم الصلاة!

•…خامسًا: ثم إنَّ القول بتكفير تارك الصلاة هو منطوق الأخبار، والمفصَح به من الآثار، ومن قال بغيره؛ لا يقوله إلاّ وهو متأوِّل، متكلِّف، وقائلٌ أو ناسبٌ إلى الصحابة شيئًا يتعذَّر وجوده، بل إنَّه مؤتفكٌ ما لا يحسن أن يجول بخاطر أحدٍ منهم، فضلًا عن أن يفصح به، ذلكم أنهم سمعوا نبيهم × يقول:"من تركها فقد كفر"؛ فقالوا كما قال، وفهموا عنه مراده الذي أراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت