= وبيان"هذا الموضع"مما يزيل الشبهة: فإن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل، من أهل البدع، وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا"ثلاثة أصناف": مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر. وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أُبيّ وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم، حتى تقوم السُنَّة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.
الله -سبحانه-؛ فإن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له، فكيف يكون التوفيق بينه وبين الحديث المصرّح بتكفيره، وكلاهما صحيحان؛ لا مِرية في واحدٍ منهما؛ ولا يُعْرَف المتقدِّم من المتأخِّر منهما، حتى يُعَدَّ واحدٌ ناسخًا، والآخر منسوخًا؟
والجواب عند من فرّق بين تركٍ وبين ترك؛ هو الجواب الجاري على ألسنتهم، إذ يقولون: إنَّ كُفْر تارك الصلاة الموجبَ خلودَه في النّار؛ هو كفر الجحود، وأنّ تاركها -غير جاحدها-، أمره إلى الله في الآخرة؛ من تعذيبه في النّار، أو المغفرة له.
بيد أن هناك ما هو أصرحُ من هذا الحديث؛ في حَجْب الكفر المُخَلِّد في النار عن تارك الصلاة؛ يستوجب على الله -إذ أوجبه على نفسه- أن يُدخله الجنّة؛ إن قال: لا إله إلا الله، ويخرجَه من النار، ولا يخلِّده فيها، وذلكم هو قوله ×:"من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة"، وهذا مرده إلى الله وحده يوم القيامة أما الحكم عليه في الدنيا فكما مرَ معنا.
ومثلُه الحديث الذي رواه عِتبان بن مالك:"إنّ الله قد حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله".