فهرس الكتاب
من هذا المنطلق تعتبر"إسرائيل"في نظر الحزب كيانًا غير شرعي من الناحية الإسلامية، لأنها قائمة على اغتصاب أراض إسلامية وقتل مسلمين وتشريدهم، إضافة إلى كون هذه الأرض تضم أماكن مقدسة إسلامية (المسجد الأقصى أُولى القبلتين، ومسجد الصخرة...إلخ) تضفي عليها بُعدًا دينيًا مقدسًا.
ويترتب على هذه الرؤية عدم جواز الاعتراف بـ"إسرائيل"والتفاوض والصلح معها، والتنازل عن أي حق من حقوق المسلمين لها من جهة، ووجوب قتالها وإخراج اليهود المحتلين من فلسطين وسائر الأراضي العربية المحتلة، وإعادة الشعب الفلسطيني إليها من جهة أخرى، وجاءت أقوال الخميني الملهِم الروحي للحزب بشأن القضية الفلسطينية والموقف من"إسرائيل"لتعزز هذه الرؤية لدى حزب الله، ولا سيما قوله:"يجب إزالة إسرائيل من الوجود".
وعلى هذا الأساس انطلق حزب الله في مقاومته للاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وهو لا يزال يرى أن تقاعس الأنظمة العربية عن واجبها في الصراع ضد"إسرائيل"من أجل تحرير فلسطين، ومن ثم دخولها في عملية تسوية سلمية معها، يجب ألا يؤديا إلى القبول بشرعية"إسرائيل"والاعتراف بحقها في الوجود وبحدودها واعتبارها دولة"أمر واقع"مكان فلسطين التي لا يمكن اختزالها إلى أجزاء من الأراضي المحتلة عام 1967م، وبقسم من الشعب الفلسطيني وحكم ذاتي محدود عليها.
لكن حزب الله الذي لا يزال يدعو العرب والمسلمين للنهوض وتوحيد طاقاتهم لتحرير فلسطين كلها"من النهر إلى البحر"قد أدرك أن ظروف الصراع مع"إسرائيل"قد تغيرت في ظل عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية الشاملة، وأن ثمة قواعد جديدة للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال تلزمه العمل ضمن الأراضي اللبنانية، بحيث يقتصر هدفها على تحرير المنطقة المحتلة من لبنان.
وفي الخطاب الذي ألقاه حسن نصر الله في بنت جبيل عقب الانسحاب الإسرائيلي، والذي حضره مائة ألف جنوبي، أشار نصر الله إلى أن حزب الله لن يشارك في أي عمل عسكري ضد"إسرائيل"لهدف تحرير فلسطين!!، وخلا هذا المهرجان الخطابي من شعار"زحفًا زحفًا نحو القدس". (1)
ويذكر الحزب أنه سيواصل نضاله السياسي والثقافي الرافض للتسوية والتطبيع مع"إسرائيل". وقد تكرس التزام حزب الله بضوابط الصراع مع"إسرائيل"في تفاهمي يوليو (تموز) 1993م إبريل (نيسان) 1996م حيث تعهد الحزب بعدم ضرب أهداف إسرائيلية داخل فلسطين المحتلة بداية، وهو أمر كان الحزب يؤكد التزامه به، معتبرًا أن إطلاق صواريخ"الكاتيوشا"على المستعمرات الإسرائيلية في الجليل ليس سوى رد فعل على الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين. وهذه المسألة تمثل تحولًا في رؤية حزب الله للصراع مع"إسرائيل"التي يتعاطى معها الحزب من حيث إنها أمر واقع موجود دون أن تكون لها أي صفة شرعية . (2)
كما أنه من غير المستبعد أن تستمر بعض عمليات المقاومة لحزب الله، ولكن من خلال عملية"تفريخ"جماعات أخرى من تحت عباءته لا يتحمل مسؤولياتها، وتستوعب هذه الجماعات"المُفرِّخة"تلك العناصر المخدوعة التي لم تفطن لأهداف العمل الحقيقية وما زالت على تصوراتها التي تقتضي الاستمرار في المقاومة حتى زوال إسرائيل من الوجود.
كذلك فإن من المتوقع عدم التزام إسرائيل بالاتفاقيات التي توقع مع سوريا ـ كما هو شأنها في أي اتفاق تعقده مع أي طرف ـ، فإن هذه المجموعات ستكون ورقة أخرى للضغط من أجل الالتزام بما اتفق عليه.
كما أن هذا"التفريخ"ووجود هذه المجموعات لا يستبعد استخدامها ـ مثل حزب الله ـ إيرانيًا كي تستمر في نغمة الدفاع عن المقدسات.
ماذا حقق حزب الله؟
رغم كل الجهود التي يبذلها حزب الله عبر تصريحات قياداته ومقابلاتهم الصحافية ووسائله الإعلامية لتوضيح النقاط التي تدور حولها التساؤلات، ورد الاتهامات والانتقادات، إلا أنه لم ينجح بعد في إزالة جميع الشكوك والهواجس، فضلًا عن الغموض والالتباس في شأن الشعارات والمبادئ الأيديولوجية التي أطلقها الحزب منذ تأسيسه . (3)
ويعود ذلك لأسباب عدة، أبرزها:
أ ـ افتقار الحزب إلى الأدبيات الفكرية ـ السياسية التي تُنظِّر لمبادئه وأهدافه ومشروعه وبرامجه. وهذه الثغرة ناجمة عن أحد أمرين أو عنهما معًا، وهما:
ـ افتقاد الحزب لمنظِّرين يتمتعون بمستوى رفيع في الفكر الديني والسياسي.
ـ عدم اهتمام الحزب بتقديم رؤية فكرية ـ سياسية خاصة به، مستقلة عن الرؤية الإسلامية الإيرانية، وتُراعي الخصوصيات اللبنانية والعربية؛ وذلك لارتباطه الديني والسياسي بـ"الولي الفقيه"الذي هو بمثابة القائد الديني السياسي للحزب.
(1) جريدة الأنباء، العدد: 8630، 23/2/1421هـ ــ 27/5/2000م.
(2) انظر: هيثم مزاحم: حزب الله وإشكالية التوفيق بين الأيديولوجيا والواقع، مجلة شؤون الأوسط، العدد/ 59، يناير/ 1997م.
(3) يراجع في ذلك نص ميثاق حزب الله في خاتمة الكتاب، وكتاب: طريقة حزب الله في العمل الإسلامي، علي الكوراني.