فهرس الكتاب
ب ـ عدم قيام الحزب بمراجعة نقدية شاملة لطروحاته الفكرية وتجربته السياسية منذ نشأته، وعدم تفسيره الأيديولوجي أو تسويغه الديني للتحولات السياسية التي عرفها الحزب منذ عام 1990م على الأقل، والتي يتعارض بعضها مع شعاراته، وهو الأمر الذي يُظهر أن الحزب لا يستطيع التوفيق بين شعاراته الأيديولوجية ومواقفه السياسية، مما سمح بالتشكيك في مصداقية الحزب من جهة، ومحاسبته وفقًا لشعاراته ومبادئه، وليس انطلاقًا من مواقفه العملية المغايرة لتلك الشعارات والمبادئ من جهة أخرى.
إذًا، ثمة أزمة بنيوية في خطاب حزب الله الديني والسياسي سببها صعوبة تكيف الخطاب مع الواقع. كان الحزب لسنوات عدة بعد تأسيسه يرفض اعتبار نفسه حزبًا بالمعنى التنظيمي الضيق للحزب، بل كان يعتبر الأمة بكاملها إطارًا للحزب. من هنا أطلق شعار"أمة حزب الله" (1) ولم تمض سنوات حتى تخلى الحزب عن هذا الشعار لاستحالة تجسيده في لبنان بعد أن تحول الحزب تدريجيًا إلى حزب سياسي ـ عسكري ذي هرمية تنظيمية معقدة.
إن هذا التوصيف لم يعد ينسجم مع واقع الحزب الذي يمكن وصفه الآن بحزب سياسي يمارس المقاومة العسكرية ضد الاحتلال؛ ذلك لأن المقاومة العسكرية ليست سوى وسيلة لتحقيق غاية سياسية وطنية أو دينية، أي تحرير الأراضي المحتلة . (2)
حقيقة النجاح العسكري
تم تصوير النشاط العسكري لحزب الله ـ خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي ـ على أنه الإنجاز الأكبر، والمقاومة الوحيدة الباقية التي أذلت أنف الصهاينة، وهنا سوف نرى حقيقة هذه الادعاءات؛ فهذا الجانب الذي برز من خلاله نشاط حزب الله أصبح واضحًا اليوم لكل ذي عقل ـ أو على الأقل يجب أن يكون واضحًا ـ أنه في حرب العصابات التي دارت في جنوب لبنان لا توجد فرصة للانتصار، وذلك لعدة اعتبارات:
أولًا: لأنه لم يتغلب مطلقًا بأي شكل من الأشكال في العالم جيش نظامي على مقاتلي حرب عصابات.
ثانيًا: أن حزب الله يعرف الميدان والمنطقة أفضل من جنود"إسرائيل"وأفضل من جيش نظامي بمعداته وترتيباته.
ثالثًا: لأن أتباع"حزب الله"يعملون في أوساط سكان متعاطفين معهم ويمنحونهم مزايا أخرى.
رابعًا: لأن جيش جنوب لبنان تحول من جيش أجير ـ الذي كان من المفروض أن يقوم بالعمل الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي ـ إلى أداة مكسورة هشة، والتي بدون حماية"إسرائيل"وحضورها فإنه يصبح بدون فائدة.
خامسًا: أن الوجود الإسرائيلي على أرض لبنان حول حزب الله من تنظيم إرهابي إلى مقاتلين من أجل الحرية وشرعيين في أعين العالم، وبذلك تُخلى مسؤولية لبنان وسوريا من الدم المسفوك . (3)
وهكذا تظهر صورة النجاح العسكري المدعاة وحقيقتها، وأنها من خلال الميزان العسكري ليست نجاحًا.
وقبل حرب لبنان قامت"إسرائيل"بإعداد العشرات من رجال المخابرات من الكتائب المسيحية من خلال دورات مخابراتية مكثفة في مدرسة الموساد. منذ ذلك الحين قام النصارى وبخاصة رئيس مخابراتهم، سمير جعجع، بالاستفادة من عملية العلاقة مع"إسرائيل"، وأصبحوا بالفعل عملاء لسوريا.
كذلك فإن جزءًا كبيرًا من الذين يخدمون في جهاز أمن جيش جنوب لبنان الذي تستخدمه"إسرائيل"، هم دروز وشيعة من سكان الحزام الأمني، وقد مارس حزب الله معهم أساليب مختلفة ليجندهم، منها تهديد أقاربهم في بيروت ودفع أموال لهم مقابل معلومات .
في الوقت ذاته هناك افتراض بأن الدروز في جهاز الأمن لا يرون أن هناك أي مشكلة في إطلاع أعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي - التابع لوليد جنبلاط - على المعلومات التي لديهم. وهؤلاء يتعاونون مع حزب الله . (4) (5)
من الممكن القول إنه في أربعة مجالات أساسية لم ينجح حزب الله حتى الانسحاب الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، فهو لم يحتل موقعًا لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولم يَنْهَرْ جيش جنوب لبنان على الرغم من أن ذلك كان يمثل هدفًا أساسًا لحزب الله، وعلى الرغم من جهود حزب الله فلم ينجح التنظيم في اختطاف جنود لجيش الدفاع الإسرائيلي، ورغم كل محاولات حزب الله فإنه لم يسقط طائرة هليكوبتر أو طائرة للسلاح الجوي الإسرائيلي . (6)
(1) راجع المصدر السابق.
(2) انظر: هيثم مزاحم، حزب الله وإشكالية التوفيق بين الأيديولوجيا والواقع، مجلة شؤون الأوسط، العدد: 59، يناير 1997م.
(3) انظر مقال: الخروج، يوئيل ماركوس، ملحق صحيفة هآرتس السياسي، 2/3/1999م.
(4) انظر: مقال رونين برجمان، هآرتس، 5/3/1999م.
(5) وقد كشف بعد الانسحاب الإسرائيلي عن الصفقة التي كانت بين حزب الله وبين وليد جنبلاط والقاضية بعدم التعرض لعناصر جيش لبنان الجنوبي من الدروز في مقابل أن تحل هذه الكتائب الدورزية نفسها فور الانسحاب، وكان حزب الله قد وعد الجيش اللبناني الجنوبي ..بالذبح!! انظر جريدة الأنباء، العدد: 8628، 25/5/2000م.
(6) فشل جيش الدفاع الإسرائيلي ومشكلة الحكومة، زئيف شيف، هآرتس، 29/11/1998م.