فهرس الكتاب
هذا الرجل كان أعزب، يعيش وحيدًا، ويسكن غرفة تقع في مدخل مسجد المدينة.. ولكن رواد الجامع، لايذكرون أنهم شاهدوه بين صفوف المصلين..! إلا أن سمة التقوى والورع كانت بادية في تصرفاته وسلوكه.. لذلك كان إذا مشى في الشارع -بتواضعه الجهم وابتسامته العريضة التي لاتفارق شفتيه -يشير إليه كل المارة بالتقدير ويحيونه، ويصافحونه.. وكان هو لايكتفي بمصافحة أهل الطريق له.. بل يرتمي نحوهم بحماس، فيعانقهم، ويقوم بتقبيل كل واحد منهم في رأسه، وفي كل أجزاء وجهه، مما جعل بعض المتفكهين يطلقون عليه اسم"البوّاس".
اشتهر الرجل بين أهل حيّه، ولشدة بساطته، وتغيبه أحيانًا عن الأنظار، صار جيرانه -بعد مرور الزمن- يشعرون نحوه ببعض الغموض والتضارب.. ويتخيلون في شخصيته صفات متناقضة، بين الزهد، والتهالك.. بين البطولة والجبن.. بين الصرامة واللين.. بين التقوى والفسق.. بين الصدق والنفاق. إلى درجة أن بعضهم جعله في قمة أهل الحكمة والعقل، بينما يؤكد آخرون أنه متذبذب، ومجنون..!
وكانت في المدينة نفسها امرأة لعوب، تعيش مع أمها تحت سقف واحد. وقد انتشرت حول المرأتين إشاعات سيئة تجزم أنهما تمارسان أعمال السحر، والبغاء، وتتاجران بالمخدرات وتقومان باختطاف الأطفال وبيعهم..
انتبهت المرأة اللعوب لذلك الرجل البوّاس، فأثار فضولها، فراقبته مدة، ثم صممت على امتلاكه..
-قالت لأمها: لقد تعلقت بالبوّاس.
-سألتها الأم: هل أحببته حقًا؟ أم مجرد نزوة عابرة، وخطة ماكرة، كما عهدتك دائمًا..؟
-أجابت اللعوب: لست من مقامه، لأقع في غرامه.. ولكن نظرًا لمكانته بين الجيران، وسمعته الطيبة، فقد أردت الاستيلاء عليه والسيطرة على قلبه، وبذلك نأخذ من حسناته، ونستفيد من علاقاته، وبواسطته نستميل قلوب الناقمين علينا..