فهرس الكتاب
والطفل.. منذ أن وجدت البشرية فوق هذه الأرض، كان دائمًا محور الحب والعطف، والحنان، انطلاقًا من حكمة قانون البقاء، وسنن استمرارية الحياة، بما فُطرت عليه الغريزة الطبيعية للأمومة والأبوة، من حماية، وتنشئة ومتابعة.. إلى ما يخطى به الطفل من رعاية ذوي القربى وأهل العشيرة.. إلى ما يلاقيه من عناية وتربية وتوجيه من طرف مجتمعه، والقائمين عليه.. إلى ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية حاليًا، بعد بزوغ فجر التيكنولوجيا وتطور الدراسات المستقبلية التي أصبح بإمكانها أن تخطط، وترسخ بدقة الحياة المنشودة للأجيال، وأن تحقق لهم كافة الظروف التي تتناسب مع حاجات العصر، ومتطلبات المرحلة، وتلبي كل الأهداف الرامية إلى توفير القوة، وإحكام السيطرة، وتحقيق السيادة.
وإنه لمن الصعب أن نحصي أو نلخص ما عاناه الأطفال الأبرياء في هذا العالم، من ويلات الظلم، والاضطهاد، والتمييز، ومن شرود الجهل والمرض والفقر، ومن كوارث الطبيعة، ومصائب الحروب..
وعندما نلتفت إلى ماضي الطفل الجزائري.. فقد لا نجد فرقًا كبيرًا بينه، وبين وضعية الطفل في المغرب العربي أو الوطن العربي بصفة عامة، وخاصة بعد إشراقه شمس الإسلام، حيث أن أغلب العوامل المؤثرة اجتماعيًا، وتربويًا وثقافيًا متشابهة بحكم وحدة اللغة والدين، والقيم والتقاليد والعادات.. وبحكم المسار التاريخي المشترك، والتماثل أو التكامل البيئوي والجغرافي، والتواصل الفكري والعملي بين كل المواطنين العرب..
غير أن كارثة استعمار الجزائر من طرف فرنسا، في بداية العقد الرابع من القرن التاسع عشر، كانت نقطة تقهقر جذري في وضعية الطفل الجزائري، حيث تم عزله نهائيًا عن كل أشقائه وجيرانه وأطفال العالم، وبدأت عملية إغراقه في بحر موحش متلاطم، من القهر، والجهل، والحرمان.