فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 255

لقد بُليت -بعد الجزائر- أقطار المغرب العربي، والمشرق، بآفة الاستعمار.. إلا أن نوعية استعمار الجزائر، كانت بعيدة الاختلاف، في الغايات والأساليب والنتائج عن كل الأقطار العربية الأخرى، المستعمرة..!

لقد كانت غاية الاستعمار الفرنسي في الجزائر هي أن يمحقها تمامًا من الوجود، وأن يستبدلها بفرنسا جديدة، قلبًا وقالبًا.. وذلك لا يتأتى له إلا باجتثاث النسل الجزائري من جذوره، بتدميره جهلًا ومرضًا وتشريدًا وقتلًا.. أو على الأقل بتنصيره، وتهجيره، وتشويه شخصيته، وهذا ما تعرض له الطفل الجزائري وعاناه، طيلة قرن وثلاثين سنة من حكم الاستعمار.

عندما غادر الاستعمار الفرنسي الجزائر سنة -1962- كانت نسبة الأمية بين الذكور الجزائريين أكثر من 90% أما بين الجزائريات فقد تجاوزت 96% وكان المشردون عن وطنهم أو منازلهم يعدون بالملايين!.

ربما من حسن حظ الشعب الجزائري إبّان الاستعمار أنه -بدوافع من الحقد والاستغلال والتمييز العنصري، تم طرده من مدنه وأراضيه، ورمي به فوق قمم الجبال، وبين شعابها، وداخل أعماق الصحارى، وسط سيوف رمالها، حيث اضطره شظف العيش إلى الاعتماد على جهده الذاتي، وإمكانياته التقليدية البسيطة في تدبير أمور حياته. وأكد ودعم بذلك سر بقائه، ومعجزة تصديه ضد كل عوامل الإبادة والفناء. والفضل في ذلك يرجع إلى عبقرية الشعب النابعة من خبرته في الصراع، وتمرسه على العمل، ومن قيمه الخالدة والمتمثلة في الإيمان بالله ، وكتابه وسنة رسوله.. والتشبث بالتقاليد والعادات الجزائرية الكريمة العريقة.. والعربية النبيلة الفاضلة.. وبكل خلال الصبر والمقاومة، والثبات..

وقد كان الأطفال الجزائريون هم العُرى الوثيقة التي ربطت قيم الشخصية الوطنية بأبنائها، جيلًا بعد جيل، وكانت المرأة الجزائرية هي الحامية والمحافظة على هذه الروابط المقدسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت