فهرس الكتاب
كل الجزائريين تقريبًا.. ينظرون إلى أطفالهم على أنهم كبار في مسؤولياتهم وسلوكاتهم، وإن كانوا صغارًا في أحجامهم.. الطفل كالرجل، والطفلة كالمرأة عليهم واجبات الطاعة ، عند الاستطاعة، ولهم حقوق الرعاية والحنان.. وكأنهم يتمثلون قول الشاعر العربي:
إذا بلغ الفطامَ لنا صبيّ ... تخرّ له الجبابر ساجدينَ
وقول حطّان بن العلي:
وإنما أولادُنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرضِ
لو هبّتِ الريح على بعضهمْ ... لامتنعتْ عيني من الغُمْضِ
-ومن هنا، كان الأطفال يحظون بمتابعة ذويهم، فيحفّظونهم القرآن الكريم، ويعلمونهم مبادئ الدين واللغة، داخل الزوايا والمساجد، ويسمحون لهم بممارسة بعض الألعاب، والتمتع بحكايات المسنّين، وتحصينهم بتلقينهم الحكم، والأمثال الشعبية، وتكوينهم في أشغال الصناعات والحرف التقليدية، وتلقينهم فنون الزراعة والتجارة إلى جانب فنون الفروسية، والدفاع عن النفس، وذلك حسب ما يتناسب مع الوضعية الاجتماعية، لكل مجموعة أو عائلة.
وكانت أفراح الأطفال تصل ذروتها- إذ يتضاعف تكريمهم والإحتفاء بهم، خلال مناسبات الأفراح بالولادة، والختان، وفي الأعياد، والاحتفالات الدينية والموسمية، وعند اختتام حفظ القرآن الكريم أو أحزاب وسوّر معينة منه، وكذلك عندما يقوم الأطفال بأي عمل يستحقون الشكر عليه.
ولم يكن هناك، ما هو أقسى وأمر على نفس الجزائري، من أن يرى طفله مهانًا أو جائعًا، أو مريضًا.. مما قد يدفع به حتى إلى القتل أو الموت من أجل إنقاذ فلذة كبده.. اللهم إلا في حالة التعارض بين الشرف أو الولد، فإن الاختيار لا يكون إلا للشرف.
كل جزائري يتمنى أن يكون ولده أحسن منه، حياةً ومستقبلًا.. وكانت المرارة، تكتسح قلب كل أب يرى ابنه لا يقرأ أو لا يكتب.. ولكن ما الحيلة، وقد أغلق الاستعمار كل أبواب المعرفة والعلم في وجوه الأطفال الجزائريين وفتح أمامهم، أبواب التشويه، والانحراف والتدمير..؟