وهنالك ظاهرة أخرى، تدل على انحراف الذوق وانقلاب المفاهيم.. حيث أضحت بعض المبادئ، الوطنية الثابتة كالوحدة الشعبية، والهوية العربية الإسلامية، والقيم السامية والتقاليد النبيلة، ومعطيات الثورة، وتجارب النضال هذه الثوابت المقدسة، أضحت خجولة في الإفصاح عن وجهها، اللهم إلا بين ذويها.. بينما أصبح الموتورون وحتى بعض /التقدميين/ يصرحون بكل جرأة، واعتداد، بأن العصر هو عصر /المتغيرات/ ولا داعي للاهتمام بأي شيء إذا لم تفرزه الحداثة والعصرنة الأوربية..! وكم رددوا قولهم بوقاحة: ليذهب التاريخ إلى المزبلة..!؟
من المعلوم -كما يقال- لا وجود لشيء في الطبيعة اسمه، الفراغ.. وبالفعل، فعندما يختفي النور والحب، والجمال.. لا بد وأن تحل محلهم الظلمة والبغضاء، والبشاعة.. وهو ما يحدث عندما يختفي الحس الجميل من شخصية الإنسان..
وكبرهان على ذلك، سأختم هذا الحوار: بهذه الحكاية الطريفة:
اشترى رجل ثري جاهل، قصرًا عظيمًا، داخل حديقة زاهرة.. وصادف أن غرفة نوم ذلك الرجل، كانت نوافذها، تطل وتتلامس، مع فروع أشجار باسقة سامقة.. وكانت تلك الأشجار مأوى لمئات من العصافير الصغيرة، تلجأ إليها عند الغروب فتنام فوق أغصانها وبين أوراقها، وفي الصباح الباكر تستيقظ مزقزقة فرحة سعيدة، ثم تغادرها طلبًا للرزق واستمتاعًا بالحياة...
انتبه ذلك الغني الجاهل، إلى أن تلك العصافير توقظه عند مطلع الفجر بزقزقاتها الصاخبة، وتحرمه من لذة النوم العميق المتواصل...
وفكر.. وتدبر.. وتفتق ذهنه عن وسيلة حاسمة، يخلصه من إزعاجات العصافير، وزقزقاتها المؤذية بالنسبة إليه.
عندما قام من نومه ظهرًا، استدعى العمال، وأمرهم بقطع كل الأشجار المحيطة بنوافذ قصره، حتى لا يبقى أي مكان لعصفور يمكن أن يزقزق فيه بالقرب منه..!
كانت أعمار تلك الأشجار تتجاوز عشرات السنين. إلا أن عملية قطعها لم تستغرق سوى يوم واحد..!