ونام الجاهل ليلته الأولى دون أن يشعر بمرور وقت الفجر فيها.. وهاجرت العصافير الصغيرة، عندما لم تجد مأواها كما كان..!
وفي الليلة الثانية وكان الفصل صيفيًا، والنوافذ مشرعة.. وبمجرد أن خيم الظلام أخذت أفواج البعوض والحشرات، تتوافد في هجومات شرسة، على غرفة نوم الجاهل، لتمتص دماءه، وتحرمه نهائيًا من النوم..!
واحتار ذلك الغني الجاهل، ماذا يفعل..؟
فقال له أحد الفلاحين.. ألم تكن تعلم بأن زقزقة العصافير هي من أجمل الأنغام..؟ وأن الحشرات المؤذية لا تتجرأ على اقتحام مواطن العصافير..؟
ما عليك الآن سوى أن تغرس أشجارًا جديدة وتصبر.. ثم تنتظر عودة العصافير.. أو فاغلق نوافذك وعش داخل الجحيم..!؟
يقول العلامة، عبد الرحمن بن خلدون:"المغلوب مولع أبدًا، بالاقتداء بالغالب، في شعاره، وزيّه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده..".
هذه المقولة المشهورة، وإن صدقت وتطابقت مع الواقع، بالنسبة لبعض الشعوب الضعيفة والهزيلة من أساساتها الحضارية، ومقوماتها الروحية والفكرية والمادية، فإنها تاريخيًا -على الأقل- لا تنطبق على كل الشعوب وإذن، فهي ليست قاعدة عامة، ومطلقة، تصلح لكل زمان وكل مكان..
فالشعب العربي -مثلًا- عاش في فترة ماضيه القديم عهودًا جائرة- مغلوبًا على أمره، مجزءًا تحت سطوة أمم قوية مثل الروم، والفرس، والأحباش.. إلا أنه بفضل محافظته على خصائصه الذاتية، ومعطياته البيئوية، واعتزازه بشخصيته.. استطاع أن يظل صامدًا مستقلًا في خياراته وأن يمتنع عن أي ذوبان أو إدماج في بوتقة الحضارات القوية المسيطرة. إلى أن تبلور وعيه وتنامى إدراكه بالحرية المبنية على العدل، والأسس الإنسانية، فأشرقت شمس إسلامه الحنيف، وأنشأ دولته الواحدة، تلك الدولة التي بلغت حضارتها العربية الإسلامية أوجها الممتاز مما جعل الأمم الأخرى تقتدي بها وبشعبها في كل شيء كما يقتدي المغلوب بالغالب، ومن بينها أمم الروم، والفرس، والأحباش..؟