فهرس الكتاب
بحلول يوم 5/7/1998 يكون عمر الجزائر المستقلة قد بلغ ستة وثلاثين عامًا... ومن المعلوم أن تاريخ الجزائر حافل بالكدح، والنضال، والصراع... وواجه شعبها خلال آلاف السنين أكثر من عشرين حملة عدوانية خارجية، وانتصر عليها، بفضل يقظة شعبها، وبطولات أبنائه، وكبريائهم، وكان آخر تلك الحملات الطامعة الشرسة هجوم القوات الاستعمارية الفرنسية، التي دامت طيلة 130 سنة. وأخيرًاتم الانتصار. وطرد الاستعمار بعد ثورة شعبية مسلحة استمرت سبع سنوات ونصف. وقدمت خلالها، مليونًا ونصف مليون من الشهداء الأبرار، ومن خيرة أبناء الشعب الجزائري.
وكان يوم 5/7/1962 يوم شروق شمس الاستقلال، يوم فرحة الشعب الكبرى، الشاملة، الصاخبة، العميقة... فرحة يصعب وصفها، وربما -إلى حد الآن- لم يعش الشعب بعدها، فرحة تشبهها في عفوية الانطلاق، وصدق المشاعر وشمولية الإحساس بالبهجة، والسعادة والارتياح..
ومنذ مطلع الاستقلال طرحت الجزائر -بنفس عفوية الفرحة، وحب الخير لكل الناس - طرحت شعارات سياسية إنسانية هامة، كان يتوخا منها أن تدعم النضال، وتمتن عرى التضامن، وتؤسس لحياة كريمة فاضلة، مفعمة بالمحبة، والسيادة، والأمن والرفاه.. من تلك الشعارات:"الثورة الجزائرية بمبادئها، ومواثيقها وتجاربها، ليست للتصدير"..."حسن الجوار والاحترام المتبادل"، و"عفا الله عما سلف"...
-ومع الأسف- فعوض أن تؤدي تلك الشعارات إلى نتائجها الإيجابية المأمولة- وأدت في الكثير من المواقف والمواقع، إلى عكس ماكان منتظرًا منها...!.
1 ـ فجبهة التحرير، التي كانت تمثل الجناح السياسي المفكر والمدبر للثورة الجزائرية، أصبحت مجرد أداة مظهرية للسلطة التنفيذية، ولم تتمكن حتى من (تصدير الثورة) إلى أجيال شعبها.. مما أدى بها أخيرًا وبعد 26 سنة من التلازم مع الحكم، وإلى التلاشي، والتفتت كحزب وحيد بعد أحداث أوكتوبر سنة 1988.