فهرس الكتاب
انطلقوا فرادى من أوساطهم الفقيرة البائسة تحدوهم آمال التخلص من أوبئة الفاقة والحرمان، فاجتهدوا وكدوا، وتحملوا كل مضايقات التقشف، والتقتير وتعلموا ودرسوا.. منهم من اقتصر زاده على ما أخذه من معارف داخل عواصم وطنه.. ومنهم من سمحت له الظروف أو الحظوظ، فاكتسب معارفه من إحدى عواصم الغرب.. وعندما جمعتهم ميادين العمل في وطنهم، فرقتهم الأفكار، والنزعات واللغات، السلوكات والتصرفات.. وانطلقت منهم شرور الفتنة وكارثة الصراع الهدام.. صراع تافه، بين قديم جامد، وجديد جاحد.. بين عجز في التفكير والتقدير والتدبير، وبين انبهار، واستلاب بقشور التنوير.. ولولا انبعاث الحركات الوطنية، وبزوغ ملامح الثورات الشعبية، التي أخذت ترعد من هنا، وتبرق من هناك في مختلف أرجاء الوطن العربي..
لولا ذلك لتلاشى أو ذاب مثقفونا الأوائل إما بالتقهقر والاندثار، أو بالانصهار في بوتقة الاستعمار.. وطبعًا فإن هذا الوصف لا ينطبق على قادة المبادرات النضالية من أبطالنا الواعين الأحرار.
وترعرع جيلنا الثاني.. منذ العقود الأولى لهذا القرن، داخل معامع المظاهرات، والصدامات، والثورات المسلحة.. فأنشد، وكتب، وخطب، وتشرد، وتغرب، وتمتع، وتعذب.. كل حسب مطمحه، وعزمه، وظروفه.. إلى أن أخذت أجراس الحرية والاستقلال تدق هنا وهناك.. فظهرت أفواجنا منقسمة أيضًا، بين أصحاب السيادة، وأصحاب الشهادة، وأصحاب العبادة، وقليل من أصحاب الريادة، وكثير من أصحاب اللامبالاة، والنفاق والمجاملات. والتمرد، والتهميش.. وضحايا الإبادة..!
إن جذور الحرمان، تتبع تربتها فيما تنبت من سيقان وأغصان، فإن كانت من أرض طيبة زكية، أعطت ثمارًا كريمة شهية، وإذا كانت من أرض فاسدة بور، انبتت الشوك والحسك، وكل الشرور..
وإلا فما معنى ما نشاهده اليوم في بعض شيوخ مثقفينا، ومؤيديهم من رعيل الجيل الثالث.. من تقوقع باسم الاختصاص. أو تفرغ للبلع والامتصاص،