فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 255

أبي -رحمه الله- لم يكن في استطاعته أن يقدم لي شيئًا محسوسًا، ورمى بي أعزل، داخل المعترك، وكان يراقبني من بعيد، فيبتسم ويبكي عندما أنجح، ويصفر وجهه، ويحني رأسه عندما أفشل، وكان ثائرًا دائمًا، ضد اليأس، والكسل ولا يبدو عليه الغضب إلا وقت الشدة القاهرة.

أما أنا، فقد كنت راضيًا عن أبنائي في جميع الحالات، ولا يعرفون عني سوى القناعة، والاعتزاز بهم، والاستسلام لمطالبهم والاستعداد لخدمتهم.

وقضاء حاجاتهم.. كنت أنتقم من نفسي لنفسي، في خدمتهم.. وكانوا يحبونني.. ومازالوا إلى درجة العبادة، ولكن هل يحترمونني بنفس الدرجة؟.. ربما..! وربما!..

ذكرت سابقًا، أننا نحن أبناء الجيل الثاني: منا مهاجرون ولاجئون وتجار.. وأسجل حاليًا بأنني أعيش مع فئة اللاجئين باختيارهم، الساكنين بين صقيع الاغتراب، ولهيب الشوق، ورعب الآفاق الدامسة.. وكان يمكن أن أكون من فئة المهاجرين /الأذكياء/ إلا أن بعض الأمراض العصبية والهضمية المزمنة، والتي أصابتني خلال الثورة المسلحة.. منعتني من اكتساب ميزة المقدرة على التلاؤم مع جميع الظروف.. وها أنني أعيش مع العوز وسوء الهضم..!

جيلنا الثاني من مواليد العشرينيات فما فوق، بعقدين أو ثلاثة- أغلبهم مروا في تكوينهم الأساسي، بالمساجد، والمدارس الحرة، والمعاهد الوطنية، والزوايا.. وهناك من واصلوا رحلة طلب العلم إلى المغرب، أو تونس، أو ليبيا، أو مصر، أو سورية أو لبنان، أو الأردن، أو السعودية أو الكويت. وعندما عادوا إلى مضارب الأمل، من أجل العمل، وجدوا أمامهم الجدران والأبواب، وخانتهم الحركة، ولفظهم الخطاب.. فعاشوا بين الضباب والسراب، يزحفون من زرداب إلى زرداب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت