من الطبيعي جدًا، ومن المشروع أن يكون سعي الأفراد والجماعات متجهًا دائمًا نحو الأفضل، والأرقى، والأجمل.. ومن هنا فإن أي مطمح أو عمل في سبيل اللحاق بما حققته الدول الأجنبية من تطور وازدهار في حياتها الحضارية الراهنة، هو أمر ضروري، بل وواجب على كل عربي، يعتز بماضيه العريق، ويجتهد لبعث حضارته وأمجاده، واللحاق بالأمم المتقدمة.. وفي هذا المجال يستحسن الاقتداء ولو وصل إلى درجة التقليد المتبصر الواعي..
أما الاقتداء الذي يحمل أشكال وصور العبودية، والتبعية والارتياح للهيمنة، والانقياد الأعمى، فذلك ما يثير العجب والقلق!
وأتصور.. لو كانت هناك روابط اتصال وتنسيق دائمة بين الأقطار العربية، يتم خلالها العمل المتكامل، والمواقف المتضامنة مع التنافس والتسابق من أجل الأحسن.. لو تم ذلك لما وصلت بعض أقطارنا إلى مثل هذا الحد من الجنوح..!
فمثلًا عندما انتهت حرب الجزائر سنة 1962 مع الاستعمار وحققت استقلالها، ظن كل العرب، وفي مقدمتهم الجزائريون أنفسهم بإن كل الأخطار قد زالت، ولم يبق سوى جو البناء والتشييد في ظل الحرية والاستقلال..!
ولكن غاب عن الجميع أن تلك الحرب بالنسبة للاستعمار لم تنته أبدًا وأنها استمرت شرسة، عنيفة، حامية الوطيس، ولكن بدون مدافع، دبابات، وطائرات مقنبلة.. وإنما بما هو أدهى وأمر. بالفكر والكتاب، والمجلة، والشريط السمعي والبصري.. بالمتعاونين والمستشارين والمعلمين.. بالهدايا، والإغراء، والترغيب، بالخونة، والعملاء، والحاقدين، وبكل ما من شأنه أن يهدم الكيان الوطني ليقيم محله، تماثيل وأصنامًا وأبواقًا، تلبي رغبات الاجتياح الجديد، وتنقاد /بسعادة/ للهيمنة الاستعمارية الجديدة..!؟
إن الجزائر اليوم، تتهاوى تحت ضربات التآمر الأجنبي الناقم، في شبه غفلة من أعين العرب والمسلمين، الذين مدوا إليها يد العون الفعالة خلال ثورتها المسلحة، ثم اعتقدوا -عندما استقلت- أن حربها مع الاستعمار قد انتهت..!