إنها الآن تعيش عمق مأساة الحرب المدمرة، اقتصاديًا وثقافيًا، وزراعيًا، ومن المؤسف أن المتحاربين بالسلاح فيها، هم من أبنائها.. جزائريون، يقتلون جزائريين، والأسلحة تتهاطل عليهم من مزاريب /المغلوب/ سابقًا.. ومن كل المغلوبين أمثاله..!
الذين صاروا محل إعجاب واقتداء..!؟
-الشعب الجزائري، معروف عنه أنه شجاع، وكريم ومتسامح.. وقد عبر عن ذلك -بعد الاستقلال، وعلى لسان قيادته عندما فاجأ العالم بقوله للفرنسيين/ عفا اللَّه عما سلف/!/ ورمى بقرن وأربعين سنة من القمع والقتل والتحقير والحرمان والاذلال.. ورمى بها خلف حدود الذاكرة وداخل مقابر النسيان..!؟ ويا ليته لم يفعل..!
وهاهم الناس في الجزائر يقتلون أنفسهم اليوم.
ألا يوجد من يذكرهم أو يتذكر: /عفا اللَّه عما سلف/!
أو يقول لهم: لا تنسوا أنكم كنتم الغالبين..!؟
هل هناك صراع بيننا وبين أبنائنا..؟
كنت في نهاية الركعة الأخيرة من صلاة العصر.. عندما أفزعني صوت قويٌّ للباب، وهو يغلق بشدة، يشبه الإنفجار..!
أنهيت الصلاة باستعجال، وركضت نحو شرفة منزلي المطلة على باب العمارة- وبعد لحظة قصيرة، رأيت ولدي الشاب خارجًا مندفعًا في اتجاه الشارع.. فناديته بلهجة حاسمة، طالبًا منه العودة حالًا، وبسرعة..!
ويبدو أنه قطع سلالم الطوابق الثلاثة، بخطوات قليلة عملاقة.. حيث تفاجأت به بعد لحظة خاطفة، واقفًا أمامي وهو يلهث، ويسألني: ماذا تريد؟
أمسكت بيده، وجررته نحو قاعة الجلوس.. وكان جهاز التلفاز داخلها يملأ الأجواء بضجيجه المزعج..!
-قلت له: أنت فتحته!.. فلماذا لم تغلقه، وأنت تغادر المنزل..؟ أغلقه الآن!.
فأغلقه، وهو يقول: كنت أظنك ستأتي لمشاهدته..!
ثم سحبته من يده إلى غرفة نومه، وكانت مصابيحها الكهربائية الثلاثة مضاءة.. فسألته: وهذه الأضواء، لماذا لم تطفئها وأنت تخرج من غرفتك..