بينما جيلنا الثاني، جيل الأبناء لم تسعفه الظروف لتبني أو رسم أهداف عظيمة واضحة، وتحمل مسؤولية إنجازها فاتجه نحو الغايات الآنية، وانطلقت فئات منه تخوض غمار التناقضات الحضارية الراهنة، ومعالم الصراع الاقتصادي محاولة قدر الإمكان، اللحاق بمواكب التقدم التكنولوجي، المتسارعة في تطورها، والمحاطة في الوقت نفسه، بحواجز مكهربة يصعب اختراقها..!
-الحقيقة الثالثة: هي وجود نوع من الاتهامات المتبادلة بين الجيلين..؟ فنحن نتهم أبناءنا بأنهم انفصلوا عن تقاليد (الأبوة) وتمردوا على نظام (الوصاية) الذي كنا نحن مرتبطين به، محترمين له -فشقوا عصا الطاعة مما جعلنا نتصور بأنهم أصبحوا لا يشبهوننا في حب الوطن والتعلق به، وفي تحمل المصاعب، وقوة الصبر، والاجتهاد في العمل، والتشبث بالعادات والقيم الاجتماعية السامية.
وهم من طرفهم، يتهموننا بالتزمت، واحتكار السلطة، والريادة، وارتكاب الأخطاء. والانغلاق، وسد منافذ الانطلاق في وجوههم.. مما أدى بالكثير منهم -حسب رأيهم- إلى التركيز على قضاياهم المصلحية الشخصية.. أو التسكع في سبل اللامبالاة.. أو المغامرة خارج الوطن..
وفي هذه النقطة بالذات، عندما أحاور نفسي، أجد أن كلا الاتهامين باطل من أساسه..؟
-فجيلنا، لم يبق فيه من الأحياء، الأقوياء، إلا قلة قليلة.. وما تبقى على قيد الحياة، عاجز، أو متقاعد..
-وجيل أبنائنا، هم الذين يملؤون ميادين الوطن العربي الواسعة، بنسبة قد تفوق 70% من عدد السكان.
-جيلنا كان أغلب أفراده من الأميين.
-وجيل أبنائنا يضم العدد الأكبر من المتعلمين والمتكونين.
-جيلنا.. ربما كان يحظى بالاحترام والشفقة من طرف آبائه لما كان يعانيه من شظف وتقشف، وبؤس، واحتياج.. ولما كان ينتظره من مهام صعبة خطيرة، تستدعي التضحية بالحياة.. وبكل عزيز..