إن الثورة الصناعية التي تركز ثقلها على تغير أوضاع الإنتاج الآلي وتوفيره وتحريره، والثورة الزراعية التي تعمل على تحويل وجه الأرض إلى جنة، وتهيئة المستوى اللائق للشعب.. إن هاتين الثورتين إذا كانتا تتجهان مباشرة إلى خدمة الاقتصاد الوطني، فإنهما وبلا ريب تؤثران في تحسين وضعية المجتمع وبالتالي في تدعيم الثورة الثقافية.. وتهيئة الإنسان الجزائري لأداء واجباته على أحسن وجه.. إلا أن دور الثورة الثقافية في إعداد المواطن الصالح يبقى هو الدور الأساسي والمهم.. وبدون نجاحها لا يمكن لأي تكامل اجتماعي أن يتحقق، ولا لثمار الأرض أو أدوات الإنتاج مهما تقدمت أن تتقدم بنا في شيء.
إن الشرط الأول والضروري لانطلاق النهضة ونشوء الحضارة هو قبل كل شيء وجود الإنسان المتمكن من مقدراته في عقله وبدنه وسلوكه، وبعد ذلك تأتي الإمكانيات المادية الأخرى لتساعده على تحقيق مطامحه وغاياته.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن القيادة الثورية في البلاد قد بذلت جهودًا محمودة في دفع الثورة الثقافية إلى الأمام، وخاصة بما كرسته لها من إمكانيات التعليم والتكوين وبما يظل ينادي به رئيس مجلس الثورة والحكومة بضرورة قيام المثقفين بواجباتهم الوطنية ووضع اللغة العربية في مكانها اللائق بها باعتبارها المعبرة عن سيادتنا وثقافتنا وتربيتنا وتقاليدنا وتقدمنا ومصيرنا.
ولكن، هل تحرك كل المثقفين ليواصلوا ما بدأته القيادة؟
فالثورة المسلحة -كما قلت- كان كل مواطن يستطيع أن يفعل شيئًا ما من أجلها.
-وفي الثورة الصناعية خططت الحكومة وبذلت وشيدت، وبدأ العامل ينفذ.
-وفي الثورة الزراعية خططت الحكومة وبذلت ووجهت، وأخذ الفلاح ينفذ.
-وفي الثورة الثقافية، مهدت الحكومة وبذلت، ولكن.. على من يلقي واجب التنفيذ؟ أليس على المثقفين؟! وإذن، فأين نتائج أعمالهم الثورية بعد إحدى عشر سنة من الاستقلال؟