فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 255

إن ماكان يلاحظ على الجبهة، ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، أنها بدأت تفقد شيئًا فشيئًا عنصر المثقفين بين صفوفها، إلى أن أصبحت شبه مفرغة منهم، خاصة بالنسبة للإطارات الفاعلة داخل أجهزتها الحساسة، باستثناء بعض القلائل، الملتزمين بقيم الثورة المتشبعين بروحها، ممن ظلوا كجنود مجهولين، يعملون في ظل الخلايا، ويواجهون بصبر غطرسة بعض أشباه المثقفين من المسيرين وكذلك أولئك المثقفون من مختلف القطاعات الذين كانوا يجندون لفترات معينة للمساهمة في أعمال اللجان الكبرى والفرعية، التي تنظمها الجبهة.. وغالبًا ماتظل نصوصها حبرًا على ورق..!

ربما نجد بعض الجبهويين ممن ينطبق عليهم قول الشاعر:

ولمارأيتُ الجهل في الناس فاشيًا ... تجاهلت، حتى ظُنَّ أني جاهل...!

ولكن أمثال هؤلاء، أليسوا هم أقرب إلى الانتهازيين منهم إلى المناضلين المثقفين..!؟

وحتى حال الأنشطة الفكرية أو الثقافية بصفة عامة لم تكن بأحسن، من حال المثقفين المهمشين، وهنا يجب أن أشير إلى الندوات السياسية والفكرية الهامة التي كانت الجبهة تشرف على عقدها وتنظيمها داخل الوطن وبمشاركات وطنية أو إقليمية أو دولية تترك أصداء إيجابية رائعة... إلا أن تلك الندوات كانت مؤقتة ومحصورة بين فئات معينة. /متخصصة/ ولاتمس كل المعنيين بالمحيط الثقافي من الجماهير.

أما تلك الأنشطة الموصوفة تجاوزًا بالثقافية، فهي لاتتعدى مقاصد الترفيه والتسلية واستعراضات الفولكور المستهلك والمهرجانات الصاخبة والتظاهرات العابرة خلال المناسبات الرسمية.

إن جبهة التحرير الوطني التي حكمت البلاد طيلة ست وعشرين سنة كحزب وحيد، وسلطة تشريعية وتنفيذية كاملة، وأنجزت مهام جبارة في ميادين كثيرة لتجعل المرء يتساءل لماذا أهملت الجانب الثقافي..! (ولماذا تهمش، في عهدها، عدد هام من المثقفين وخاصة المثقفين بالعربية..!؟

هل لأنّ السلطة الحقيقية كانت بيد الموظفين الإداريين من غير المناضلين..؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت