الصفحة 15 من 79

بذل النفس والمال والأهل والوطن في سبيل الله، نعم إنه صورةٌ من الجهاد فُتك فيها بالأنفس كما يُفتك بها في ساحات جهاد الطلب، وأُفنيت فيها الأموال كما تُفنى في إعداد جهاد الطلب، وتشتت فيها الأهلون كما يُشتتون في جهاد الطلب، وهُجِرت فيه الأوطان كما تُهجر في سياق جهاد الطلب، وما ذلك كله إلا تحقيقًا لمفهوم الجهاد؛ بذلُ كلِّ ما نملك لإعلاء كلمة الله تعالى ...

إن الذين يقصرون مفهوم الجهاد على الدفاع عن النفس والأموال والأبناء لا يبتعدون كثيرًا عن حال بني إسرائيل حيث وصفهم الله تعالى: (ألم تَرَ إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيٍ لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله) هكذا زعموا أنهم يريدون القتال في سبيل الله، فأراد نبيهم أن يحقق ويحرر مفهوم القتال (قال هل عسيتم إن كُتب عليكم القتال ألا تُقاتلوا) ، فانظر كيف كان تحريرهم لنية القتال في سبيل الله (قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا) نعم هذه حقيقة قتالهم دفاع عن حظوظ النفس، فلما كان هذا حالهم محَّصهم الله تعالوا وميز خبيثهم من طيبهم (فلما كُتب عليهم القتال تولَّوا إلا قليلًا منهم والله عليم بالظالمين) [1] ، نعم هؤلاء الذي يقصرون مفهوم الجهاد على الدفاع عن النفس والوطن هم من جنس أولئك الكثير المتولي، أما نحن فحديثنا عن أولئك القليل، وما أقلهم عددًا، وما أعظم شأنهم عند الله وهم يؤدون الشهادة التي نكل عنها الكثير الكثير غيرهم ...

إن جهاد الدفع حقٌ أقره الإسلام، ولكنه ارتقى به فوق رتبة حظوظ النفس، وجعله جهادًا يدفع به عن مقاصد الشريعة الغراء لا عن حظوظ النفس المجردة، فهو بهذه الدرجة يرتقي إلى مفهوم الجهاد الحقيقي في الإسلام، مفهوم إعلاء كلمة الله تعالى، أما أن يُحجَّم مفهوم الجهاد في حفظ حظوظ النفس، فهذا لعمري مما تشترك به الإنسانية جمعاء مسلمهم وكافرهم، بل إنه لمما تشترك فيه البهائم، وهل من حيوان متحرك إلا وهو يدافع عن نفسه فطرةً وغريزة، فحاشا الإسلام أن تكون ذروة سنامه من جنس فطرة البهائم، كلا، بل إن ذروة سنام الإسلام نسيان حظوظ النفس جميعًا، وبثها بين شقي الرحى لتستحيل عبقًا من دم الشهادة، وليتبعثر مسكًا يعطر أرجاء الكون بأعظم شهادة شهدها مخلوق؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا هو الجهاد في سبيل الله ....

(1) الآية المجزأة كلها من سورة البقرة - آية 246

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت