والكلام في هذه الآية حول معنى"حتى"أيضًا؛ فأما"حتى"بمعنى الغاية فتفيد بيان الحد الذي لا يجوز تعديه في قتال أهل الكتاب ومَن في حكمهم وهو قبولهم الجزية، بل عدم جواز قتالهم ابتداءً إذا أذعنوا للجزية ابتداءً. وأما"حتى"بمعنى العلة فتفيد أن علّةَ قتالهم قهرُهم تحت حكم الله تعالى؛ عقوبةً لهم على كفرهم من جهة، وتعريفًا لهم بالإسلام عن قرب بعد انقهارهم تحت حكمه من جهة أخرى، ليجد من شاء اللهُ تعالى له الهداية أثر ذلك قبولًا وإذعانًا طوعيًا للإسلام، وليس في أي مما تقدم إكراه أحدٍ على الإسلام، بل فيه آثار ربوبية وألوهية الملك الحق، وفيه آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فلله الحمد على ما وفَّق إليه.
ويمكن إجمال مفهوم الجهاد وفق هذه الغايات والمقاصد لجهاد الطلب في قوله تعالى: (وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا) [1] ، وهو المعنى المصرح به في الحديث، أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِكر [2] ، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال:"مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [3] .
بقيت مسألةٌ يدندن حولها كثير من المخَذِّلين اليوم، حيث يبثون مفهومًا للجهاد يضيق بالنفوس المؤمنة المتشوقة إلى بعثرة أجسادها في محراب الشهادة، ويضيق عن استيعاب سمو الإسلام وهو يحلِّق بأرواح الموحدين ليستقر بها تحت عرش الرحمن، ذلك المفهوم القاصر الذي أقره الإسلام حاجةً من حوائج الإنسان كما أقر الحاجة إلى الماء والغذاء، ولكنه لم يجعله أبدًا حدًا لبذل النفوس والغوالي في سبيل الله عز وجل، وقد توهم هؤلاء أن ابتداء تشريع القتال بقوله تعالى: (أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير) [4] توهموا أن هذا الإذن حدٌ لدوافع الجهاد وغاياته، بحيث إذا كُفَّ العدوان عن الأجساد والأموال والأعراض والأوطان فقد أَفَلَت شمس الجهاد، في حين أن المتدبر في تأخر هذا الإذن في الدفاع عن النفس الذي يمثل حاجةً فطرية ضرورية لكل إنسان، مع ما في هذا التأخير من فوات كثير من الأنفس التي قضت في العهد المكي تحت سياط القهر والتنكيل الجسدي مع فوات الأموال والأعراض والتهجير من الأوطان، إن المتدبر في هذا كله الذي يقول المحققون إنه كان لمصلحة الدعوة وللتمكين للدعوة، ليُدرك أن حقيقة تأخير الإذن في القتال دفاعًا عن النفس ما هو إلا صورة من صور
(1) سورة التوية - آية 40
(2) أي ليذكر الناس شجاعته
(3) صحيح اليخاري - حديث 2810
(4) سورة الحج - آية 39