في نفسه، وأنه لا تصح مقارنته بغيره من الأديان الباطلة في نفس الأمر، فظن هؤلاء المساكين أن مقام دين الله تعالى كمقام غيره من الأديان الباطلة، بحيث يجب أن تتاح فرصة الاختيار منها بحرية مطلقة وعلى قدمٍ سواء، وهذا إنما أُتي من الغفلة عن مقام دين الله تعالى وأنه هو الدين الحق وحده، لا من جهة اعتقادنا نحن أتباع هذا الدين، بل من جهة الدين نفسه، فالإسلامُ حقٌ في نفس الأمر سواءٌ آمن الناس بذلك أم لم يؤمنوا. وحيث إن الأمر كذلك فمن حق الله تعالى على عباده أن يفرض تمكين دينه وفق ما تقتضيه حكمته من أساليب بالدعوة تارة وبالقتال تارة أخرى، وفي هذا وهذا خيرٌ للعباد، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عجب الله من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل" [1] ، وبيانه ما صح عن أبي هريرة رضي الله في قوله تعالى (كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس) [2] قال:"خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام" [3] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"قال ابن الجوزي: معناه أنهم أُسروا وقُيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعًا فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول" [4] .
فحاصل الأمر هنا أن كون الدين كله لله تعالى إما أن يراد به أن الحكم في الناس مسلمهم وكافرهم لله تعالى وحده، فهذا الحق لله تعالى وحده لا ينازع فيه من لديه أدنى مسكة من عقل. وإما أن يراد به نفس الإسلام، وقد تقدم بيانه من جهة رفع الموانع التي تصد من اعتنق الإسلام باطنًا عن إعلانه ظاهرًا، ومن جهة تحصيل مصالح العباد في الآجل لمن أراد الله أن يهديه فيجعل قهره في الابتداء طريقًا لتعرفه على الإسلام واعتناقه طوعًا في الانتهاء، فسبحان الله ما أوسع علمه وما أعظم حكمته وما أكمل قدرته.
والغاية الثالثة: في قوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [5] ، وهذه آيةٌ جامعةٌ لمعاني الجهاد وغاياته العظيمة، إذ جمعت موجب القتال وهو الكفر، وغايته وهو تحكيم شرع الله، وبيَّنت أقسامَ الناس من حيث الانقياد لهذا الحكم، وهم أهل الحرب المندوب إلى قتالهم، وأهل الجزية الصاغرون المقهورون بحكم الله، وأهل الإيمان المسلمون طوعًا.
(1) صحيح البخاري - حديث 3010
(2) سورة آل عمران - آية 110
(3) صحيح البخاري - حديث 4557
(4) فتح الباري - 6/ 145
(5) سورة التوبة - آية 29