الصفحة 12 من 79

والوجه الثاني: حمل لفظ"الدين"على معناه اللغوي وهو الحُكم، كما في قوله تعالى: (ما كان لِيأخذ أخاه في دين المَلِك) [1] أي في حكم الملك وقانونه.

ولعل المعنى اللغوي وهو الحكم أقرب إلى غايات جهاد الطلب هنا، وتوضيحه أن الكافر يُعرض عليه إحدى ثلاث: الإسلام أو الحرب أو الجزية، فإن أسلم طوعًا فبها، وإن قَبِل الجزية طوعًا أو كرهًا بعد الحرب فقد نزل على حكم الله عز وجل، وإن أَبى إلا الحرب فغلب المسلمين فالحرب سجال، وإن غلبه المسلمون وتمكنوا منهم أنزلوا فيهم حكم الله على تفصيلٍ عند الفقهاء ليس هذا محله، ولكن الشاهد أن ما ينزله عليهم المسلمون هنا هو حكم الله عز وجل دون أن يكرهوهم على الإسلام وهذا هو المطلوب، أعني نفي شبهة الإكراه على الإسلام. والدليل على أن هذا الحكم الذي يُنزله المؤمنون بالمغلوبين من الكفار هو حكم الله عز وجل ما صح في الحديث لمّا حكَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدَ بن معاذ في بني قريظة، بعد أن ظفر بهم بعد خيانتهم العهد في غزوة الخندق، فقال صلى الله عليه وسلم:"لقد حكمتَ فيهم بحكمِ الله، وقال مرة: لقد حكمت بحكم الملك" [2] .

ويؤكد هذا المعنى أن الله تعالى قال: (ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [3] ، فدل على أن إرادة الله الكونية لم تتعلق باعتناق الناس الإسلام كُرهًا، ولكن هذا لا يمنع أن يفرض الله تعالى على عباده حكمَه أو قهرَه أو عذابَه كونًا وقدرًا أيضًا. وقد يكون هذا القهر بأيدي المؤمنين كما قال تعالى: (قاتِلوهم يُعذبهم الله بأيديكم ويُخزِهم وينصركم عليهم ويَشفِ صدورَ قومٍ مؤمنين. ويُذهب غيظ قلوبهم ويتوبُ الله على مَن يشاء والله عليمٌ حكيمٌ) [4] ؛ فهذه مقاصد لقتال وجهاد الكفار ليس فيها إكراههم على اعتناق الإسلام، بل فيها قهرهم بعذاب الله تعالى عقوبةً لهم على الكفر، ولست أدري أحدًا فيه مِسكة من عقل ينازع اللهَ تعالى حقَّه في أن يعاقبَ من أبق من عبيده بما شاء من ألوان العقوبة والخزي.

أما إذا حُمل لفظ"الدين"في الآية على الإسلام فيقوى مورد الالتباس عند البعض، فيظن أن في هذا إكراهًا للناس على دخول الإسلام، وإنما أُتي هؤلاء من غفلتهم عن أن دين الله تعالى وهو الإسلام حقٌ

(1) سورة يُوسف - آية 76

(2) صحيح مسلم - حديث 1768

(3) سورة يونس - آية 99

(4) سورة التوبة - آية 14 - 15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت