الصفحة 11 من 79

وإن نظرنا إلى"حتى"أنها لبيان علة القتال، اتجه المعنى إلى إزالة الموانع التي تصد الناس عن الإعلان بظاهرهم عما يعتقدون بقلوبهم من إيمانهم بالله وبرسوله، فيتحرر العباد عندئذٍ من قهر العباد الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، وإن إهمال الجهاد الذي هذا علته يؤدي إلى قهر المؤمنين ومنعهم من إظهار دينهم، كما قال تعالى: (مَن كفرَ بالله مِن بعد إيمانه إلا مَن أُكرِه وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيم) [1] ، فهذا المستثنى من الغضب هو الذي أُكره على إظهار الكفر مع كونه مؤمنًا في الباطن، ولا يخفى أن الله تعالى قد يبتلي عباده المؤمنين بتسليط بعض عدوهم عليهم، لكنه سبحانه لا يخذل عباده المقهورين المؤمنين به على وجه الدوام، ولهذا فإن هذه العلة في الجهاد علة واضحة لا إشكال فيها، وهي إزالة الموانع التي تمنع المؤمنين من إظهار إيمانهم بالله تعالى، وإزالة الموانع التي تمنع القابلين للإيمان مما يحول بينهم وبين سماع دعوة الإسلام.

فالحاصل من الوجهين في معنى"حتى"في حديث السيف، بيان الحد الذي يَحرُم عنده قتال الناس، وبيان علة الجهاد وهي رفع الموانع التي تصد المؤمنين عن إظهار إيمانهم، وليس فيما تقدم إكراهٌ لأحد على اعتناق الإسلام، فليتبنه لهذا.

والغاية الثانية: في قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) [2] ، فالكلام هنا على دلالة شطري الآية؛

فالشطر الأول يدل على علة القتال وهو منع الفتنة؛ أي فتنة أهل الإيمان بما يمنعهم من إظهار دينهم وإكراههم على إظهار غيره، كما افتتنت قريش أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول الدعوة ونكلت بهم ما لا يخفى على أحد.

وأما دلالة الشطر الثاني فتتعلق بمعنى كون الدين كله لله، وهل يدل هذا على إكراه الناس كافة على الدخول في الإسلام؟ وإن تحرير الجواب يسيرٌ من خلال الوقوف عند كلٍ من المعنى الشرعي والمعنى اللغوي للفظ"الدين":

فالوجه الأول: حمل لفظ"الدين"في الآية على معناه الشرعي وهو الإسلام كما في قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) [3]

(1) سورة النحل - آية 106

(2) سورة الأنفال - آية 39

(3) سورة آل عمران - آية 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت