أحدهما اعتقاد ما أمر الله به من توحيده وإفراده بالطاعة والانقياد، والثاني استكباره عن ذلك واعتقاد ما ينافيه من الشرك والإلحاد. وأما ظاهر الفرد، فإما أن يستطيع التعبير عن معتقده القلبي إذا انتفت الموانع من ذلك، وإما أن توجد الموانع التي لا تُمكنّه من التعبير عن معتقده فيبقى مكبوتًا مقهورًا، بل قد يصير مكرَهًا على إظهار خلاف ما يعتقده بقلبه. فإذا تأملنا في حق الله عز وجل في تعبيد مخلوقاته له سبحانه وتعالى، وتأملنا في حكمة الله عز وجل في اختبار المكلَّفين ضمن دائرة الاختيار الشرعي، وتأملنا في قهر الله عز وجل لمخلوقاته ضمن دائرة التقدير الكوني، تبين لنا أن الله تعالى له حقُّ تعبيد الناس له وحده لا شريك له، وأن الله تعالى قد أرسل رسلَه ليدعوا الناس إلى عبادته وحده لا شريك له، فكان منهم من اعتقد ذلك بقلبه وعبد الله طوعًا ضمن دائرة التخيير الشرعي، فاستحق حماية الله عز وجل له بتشريع ما يزيل موانعَ إظهار عبوديته لله سبحانه وتعالى، وكان منهم من استكبر عن هذه العبودية الطوعية ليعقد قلبه على ما يخالف توحيد الله من شركٍ وكفر، فاستحق أن يُقهر تحت سوط العبودية القهرية لحكم الله تعالى، دون أن يُغير ذلك شيئًا من معتقده القلبي، ودون أن يُكره على ترك كفره الظاهر، فيكون حُكمُ الله تعالى المفروض عليه من جنس العقوبة، لا من جنس الإكراه على الدين.
إن فهم هذه المسألة يزداد وضوحًا عند التدبر في الغايات التي ينتهي إليها القتال في النصوص الشرعية المتقدمة آنفًا، وهي:
-حتى يُعبد الله وحده لا شريك له
-حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله
-حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون
فالغاية الأولى: في قوله صلى الله عليه وسلم"بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له"إن نظرنا فيه إلى معنى"حتى"أنها للغاية والانتهاء، دلَّت على أن هذا هو الحد الذي يجب كف القتال عند بلوغه، وهذا المعنى موافقٌ لحديثه صلى الله عليه وسلم:"أُمِرت أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" [1] ، فمعنى"حتى"هنا لبيان الغاية التي يجب عندها الكف عن القتال.
(1) صحيح البخاري - حديث 25