الجهاد في سبيل الله عبادة وأي عبادة، إنه العمل الذي لا يستطيع أحدٌ من العباد أن يأتي بمثله إلا أن يظل صائمًا قائمًا مدة خروج المجاهد في سبيل الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"مَثلُ المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتُر من صيامٍ ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى" [1] . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" [2] ."
فمنزلة الجهاد في سبيل الله إذًا منزلة العبادات المشروعة لمحض التعبد لله تعالى، لا مجرد منزلة الوسائل الموصلة إلى مقاصد أُخرى كدفع العدو ونحوه. وتأمل كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم عِدل الجهاد في سبيل الله الصيام والقيام المستمرين طيلة خروج المجاهد، فدل على أن الجهاد من جنس العبادة المحضة لا من جنس الوسائل المحضة. فليتأمل هذا جيدًا من يُلبِّسُ على المسلمين فيزعم أن الجهاد في سبيل الله وسيلة للدفاع عن المسلمين والإسلام فحسب، وأنه إذا أمكن تحقيق ذلك بوسيلة أخرى أو لم يكن هناك عدوان على المسلمين فلا حاجة للجهاد، ولا يخفى أن مآل هذا القول تعطيل الجهاد في سبيل الله عز وجل، أعني جهاد الطلب الذي شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لإعلاء كلمة الله وإسفال كلمة الكفر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسُهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلَّفتُ عن سريّةٍ تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل" [3] ، فها هو أكرم خلق الله تعالى صلوات الله وسلامه عليه يتمنى الخروج في كل سريّة وغزوة في سبيل الله، ثم يُفصح عن غرضه الشريف من ذلك فإذا به الاستشهاد في سبيل الله؛ لا مرة، ولا مرتين، بل مرات ومرات، تكون خاتمتها أن يُقتل بأبي هو أمي صلوات الله وسلامه عليه في سبيل الله، وفي سبيل الله وحده ...
إن المتدبر في الحديث السابق لَيدرك أن كل سرية تخلَّف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم شفقةً على من لا يستطيع الخروج من المسلمين كانت كافيةً في رفع الحرج عن الأمة المسلمة، وبلغة الفقهاء نقول إنها كافية في أداء فرض الكفاية في الجهاد الواجب، أو قل إنها كانت كافية كوسيلة لتحقيق هدف الغزوة أو السرية تلك، ومع ذلك فقد تمنى صلوات الله وسلامه عليه الخروج معها لا لشيء إلا لطلب الشهادة في سبيل الله،
(1) صحيح مسلم - حديث 1878
(2) صحيح البخاري - حديث 2782
(3) صحيح البخاري - حديث 2797