فهل بقي في النفس شك في أن الجهاد في سبيل الله غاية مقصودة لذاتها فضلًا عن كونها وسيلة لتحقيق مقاصدها ومصالحها؟
إن الإسلام دين الفطرة، وهو دينٌ لا يُنكر حاجات بني آدم ولا يحجر عليه ما فيه تحصيلُ مصالحه ودرءُ مفاسده، بل إن أحكام الشريعة كلها إنما جاءت لدرء المفاسد وتحقيق المصالح في العاجل والآجل كما نبه على ذلك العلامة العز بن عبد السلام رحمه الله، فليس كلامنا هنا في نفي أن يكون الجهاد وسيلةً مشروعةً لدفع خطرٍ أو رد صائلٍ اعتدى على الأمة أو بعضها أو حتى فردٍ واحدٍ منها، بل إن الإسلام قد قرر حق الفرد الواحد في الدفع عن ماله ولو أفضى ذلك الدفع إلى هلاكه، فلأن يشرع الإسلام الجهاد وسيلةً للدفاع عن حرمات الأمة من باب أولى، فعن أبي هريرة قال:"جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتِله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: هو في النار" [1] ، فتأمل في قوله صلى الله عليه وسلم"فأنت شهيد"فإنه يدل على مشروعية هذا القتال، ولئن كان في حفظ المال جائزًا ففي حفظ الأعراض والأنفس من باب أولى. ولكن الذي نتكلم فيه أن الإسلام قد ارتقى بفطرة الدفاع عن النفس وما تملك، ليصل بها إلى آفاق أسمى تعلو فيها الروح عن مجرد تلبية حاجاتٍ فطرية، لتتنسك في محراب العبودية باذلةً أَنفَسَ ما لديها في سبيل بارئها وخالقها الذي هو أحب إليها من كل شيء. لقد ارتقى الإسلام بالجهاد ليصبح عَلَمًا على حلاوة الإيمان وتحقيقًا لمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" [2] ، نعم؛ إن من أحب الله ورسوله أكثر مما سواهما بذل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى كل ما يملك، ومن أحب عباد الله لله تعالى دافع عنهم بكل ما يملك، ومن كره الكفر وأحب الإيمان بذل في سبيل تعبيد الناس لله كل ما يملك، وبهذه المنطلقات يتحول الجهاد إلى غاية بذاتها لا ترتبط بمجرد تحقيق مصالح الأمة الإسلامية بدفع عدو أو تأمين سبيل أو رباط ثغرٍ، بل إن الأمة لو كُفيت ذلك لتمنى المؤمن المتذوق لحلاوة الإيمان أن يجاهد في سبيل الله لنفس الجهاد، كما تمناه بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه لنفس الجهاد ولنفس
(1) صحيح مسلم - حديث 140
(2) صحيح البخاري - حديث 16