الصفحة 20 من 79

الشهادة، وهذا ما نريده من قولنا إن الجهاد غاية كما أنه وسيلة، بل إن كونه غاية ألصق بمفهوم العبودية من كونه وسيلة، والله أعلم.

ومما يؤكد أن الجهاد عبادة محضة ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال:"عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" [1] ؛ فهي إذا عبادةٌ لها شروط وضوابط شرعية، وليست مجرد وسيلة لا نظر فيها إلى ضوابط ولا قيود. ولو أن نظرة الإسلام إلى الجهاد كانت من باب الوسيلة الصرفة التي لا قيود لها ولا ضوابط لما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا ممن يمكن أن يساهم في القتال، لا سيما وأن الموعد الجنة، ولكن واقع الأمر لم يكن كذلك، فتأمل هذا كله رعاك الله.

لقد وثَّق القرآن الكريم عَقدًا فريدًا ليس له مثيلٌ في تاريخ البشرية، إنه عقدٌ بين المخلوق الفقير والخالق الغني جل في علاه، فقال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتَلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) [2] ، وجعل القرآن الكريم هذا العقد الفريد محور التجارة في سوقٍ ربحها الجنة، فقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويُدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبةً في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأُخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتحٌ قريب وبشِّر المؤمنين) [3] . فهذه هي السوق، وهذه هي السلعة، وهذه هي التجارة الرابحة. وإن الكثير من سواد الأمة اليوم، ومن رجال وشباب الأمة اليوم يريد أن يقدم للإسلام قسطًا من ثمن البيع الذي عقده مع الله عز وجل، ويريد أن يتاجر في هذه السوق برأس المال الذي يملكه: نفسه وماله، فإذا بالبعض يخرج عليه في زي ناصحٍ وما هو بناصح، وفي دعوة عاقلٍ وما هو بعاقل، لسان حاله يقول: لا تضيع نفسك رخيصة، فالمعركة الحقيقية ليست هنا، وها قد ذهب عشرات بل مئات بل آلاف الشباب إلى ما أنت ذاهبٌ إليه، فلم يرجعوا بشيء، ولم يحققوا للأمة شيئًا، فما الفائدة من ذهابك، وتضييع نفسك، بل إن الأفضل لك أن تحافظ على نفسك لتقدم شيئًا للإسلام، وتقدم شيئًا للأمة. فيالها من شبهة قوية، ويا له من كلام جميل لولا أنه يصطدم مع الحقيقة

(1) صحيح مسلم - حديث 1868

(2) سورة التوبة - آية 111

(3) سورة الصف - آية 10 - 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت