الصفحة 28 من 79

تعاطي شيء من ذلك فليعالج قلبه فإنه لا يزال مريضًا إما بمرض الشبهة الذي يخذله عن بذل النفس والمال في سبيل الله، أو مرض الشهوة الذي يلهيه عن إهلاك النفس والمال في سبيل الله ...

بقيت كلمة في هذا الموضع تتعلق بواقعنا المعاصر وما نحن فيه من حرب شعواء على الإسلام وأهله والمرابطين على ثغوره، إذ لا يخفى أن الجهاد والمجاهدين محاصرون اليوم في كل مكان، ولربما تسرب تثبيط الشيطان وحزبه إلى قلب أحدنا من جهة استحالة التمكن من الوصول إلى ساحة قتال في سبيل الله، وجواب هذه الشبهة عدم الالتفات إليها البتة، لأن العالم كله اليوم ساحة جهاد، إن لم يكن اليوم فغدًا، وإن لم يكن غدًا فبعد غد، ولا ريب أن لكل مسلم صادق اليوم نصيب من هذا التحديث والإعداد، حتى أولئك الذين حُبسوا عن ساحات القتال بمسؤوليات الزوجية قد فتح الله تعالى لهم باب التحديث والإعداد وهم في بيوتهم بل وهم على أسرتهم في سويعات الخلوة الزوجية، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه [1] : قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رَجُل. والذي نفس محمدٍ بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون" [2] ، وترجم الإمام البخاري رحمه الله لهذا الحديث بقوله:"من طلب الولد للجهاد"، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"أي ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله فيحصل له بذلك الأجر وإن لم يقع له ذلك" [3] ، فأي شيء عظيم هي مكانة الجهاد في الإسلام حتى أقحمت شريعة الإسلام هذه العبادة في كل تفاصيل حياة المسلم حتى في خلوته الزوجية وفي أخص لحظات الجسد ولذاته، فإذا بهذه اللحظات الجسدية تتحول من مجرد لذة عابرة إلى تحديث وإعداد للمساهمة في تكوين ذروة سنام الإسلام، أعني الجهاد، بأغلى ما نملك، أعني الولد ...

وليعلم كل مسلم أنه مهما صدق الله في تحديث نفسه وإعدادها للغزو في سبيل الله، فإن الله تعالى سيقر عينه بيوم تثج فيه جراحاته ثجًا، وتتبعثر فيه أشلاؤه في أرجاء الكون، لتدوي بصيحة لا إله إلا الله، فتنصدع لها قلوب الكفر، وتنخلع لها أفئدة الطاغوت، وتسرح نفسه في حواصل طير خضر تلعق من ثمر الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، وحينها يتمنى لو كانت له ألف نفسٍ، ولو كان

(1) أي ذكره الملَك أن يقول إن شاء الله فنسي ولم يقل عليه السلام.

(2) صحيح البخاري - حديث 2819

(3) فتح الباري - 6/ 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت