الصفحة 27 من 79

وعندها تسعف المؤمنين المجاهدين منظومةُ الإسناد الربانية لتثبت الجنان وتقوي عزم السواعد والبنان، كما في قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تَرَوها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين) [1] .

ولعظم مكانة هذا الإعداد المعنوي والجسدي للقيام بواحد من أعظم فرائض هذا الدين بعد توحيد الله تعالى، جعل الله تعالى مجرد الصدق في قصد الإعداد بلاغًا لمنزلة الشهيد، ولو لم يستشهد، بل ولو لم يتيسر له الخروج للجهاد، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَن سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" [2] ، فتأمل هذا الذي يُزهِّدك فيه المرجفون والمخذلون، وتأمل هذا الذي يعدك به الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله تعالى: (الشيطان يَعِدُكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم) [3]

إن حقيقة التحديث والإعداد إذًا هي في ذلك البكاء الذي علمنا إياه البكاؤون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن حقيقة التحديث والإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى تنطلق من قواعد إيمانية راسخة ينظر من خلالها المؤمن بعين السخرية إلى صرعى الهوى وعبيد الدنيا: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتِلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) [4] ، وينتهي من خلالها عند أمر الله عز وجل: (يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزًّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا ليجعل الله ذلك حسرةً في قلوبهم والله يحي ويميت والله بما تعملون بصير) [5] ، وإن حقيقة التحديث والإعداد أن يوطن المرء نفسه على اللحاق بفسطاط أهل الإيمان، والتمايز عن فسطاط أهل الكفر والنفاق عند إعلان داعي الجهاد في سبيل الله، كما قال تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالَوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالًا لاتّبعناكم هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) [6] ، وإن حقيقة التحديث والإعداد القلبي للجهاد في سبيل الله أن يثمر ذلك التحديث والإعداد سعيًًا حثيثًا لتحصيل أسباب القتال المادية من مال وقوة وراحلة وسلاح، ومن لم يسعَ في

(1) سورة التوبة - آية 26

(2) صحيح مسلم - حديث 1909

(3) سورة البقرة - آية 268

(4) سورة آل عمران - آية 168

(5) سورة آل عمران - آية 156

(6) سورة آل عمران- آية 166 - 167

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت