الصفحة 26 من 79

كلمة الكفر والباطل، ولأن هذا الإعداد علامة الصدق في التعامل مع الله، وعلامة الصدق في الوفاء ببيعتك أيها العبد مع سيدك، البيعة على الموت في مقابل الجنة ...

وإن هذا الموضع من التهييج على الغزو والقتال في سبيل الله يعول كثيرًا على تحقيق التوازن بين منظومتي الأسباب الكونية والشرعية؛ وهذا جليٌ في الآية المتقدمة حيث قال الله سبحانه وتعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عدةً) [1] ، فإرادة الخروج في سبيل الله استكمال للسبب الشرعي، وإعداد العدة من راحلةٍ وقوةٍ جسديةٍ وسلاحٍ استكمالٌ للسبب المادي، وإن الصدق في تعاطي السببين هو وحده السبيل إلى تحصيل الإسناد الشرعي والكوني من الله تعالى. فالإسناد الشرعي بالتأييد بنصر الله والسكينة والربط على القلوب وتجريد خوفها وتوكلها لله تعالى وحده لا يكون إلا من نصيب أولئك الذين صدقوا في استجابتهم لتهييج الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم، قال تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشَوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رِضوان الله والله ذو فضلٍ عظيم) [2] ، والإسناد الكوني من الله تعالى لا يكون إلا من نصيب من بذل غاية الجهد واستفرغ غاية الوسع في الإعداد المادي، ثم تقاصرت عنه الأسباب لا لِخَوَرٍ في العزيمة، ولا لضعفٍ في الهمة، ولا لغفلةٍ عن حسن الإعداد، وإنما لأمرٍ خارجٍ عن وسعه ولحكمة ابتلاه الله تعالى بها، فهؤلاء هم الذين يبارك الله تعالى في قِلَّتهم كما قال تعالى: (يأيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون) [3] ، وهؤلاء هم الذين يؤيدهم الله بمدد من الملائكة كما قال تعالى: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين) [4] ، وبمددٍ من الريح وبمددٍ من جند الله المرابطين في كل زوايا الكون كما قال سبحانه وتعالى: (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا) [5] . فمدار المسألة إذًا على تحقيق الصدق والإخلاص في تعاطي أسباب الإعداد الشرعية، وبذل غاية الجهد في تعاطي أسباب الإعداد الكونية،

(1) سورة التوبة - آية 46

(2) سورة آل عمران - آية 172 - 174

(3) سورة الأنفال - آية 65، وهذه النسبة وهي الصمود أمام عشرة أضعاف المجاهدين المسلمين كان في بادئ الأمر ثم خففه الله تعالى إلى مقابلة الضعف حيث قال تعالى (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) (الأنفال - آية 66) ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"كل واحد بعشرة ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة" (تفسير ابن كثير - 2/ 325)

(4) سورة آل عمران - آية 125

(5) سورة الأحزاب - آية 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت