الصفحة 34 من 79

من سلفنا، ثم لنعلم أن لا عزة لنا إلا بِذُلٍّ نطرح به أنفسنا بين يدي الله عز وجل، وسيفٍ نصون به جناب التوحيد، ونرفع به لواء إمام الغر المحجلين، والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ...

إن صناعة الجيش المسلم وتشكيلة الإسناد الإسلامي ليست مقتصرة إذًا على خطوط إمداد المؤن والعتاد، وليست مهمة خاصة بما يسمى وزارة الدفاع في المصطلح المعاصر، كلا! إن صناعة الجيش المسلم وتشكيلة الإسناد الإسلامي صناعة فريدة على مستوى الفرد، وصناعة فريدة على مستوى المجتمع كل المجتمع، إنها صناعة الجسد الواحد، إنها صناعة الأمة بأسرها، إنها الصناعة التي تمكن أمير المؤمنين عمر على منبر الجمعة في المدينة من أن يهتف بأمير جيشه المقاتل في فارس:"يا سارية الجبل"، فيشد المسلمون ظهورهم بالجبل ويهزم الله عدوهم [1] ، وهذا غاية ما يكون من التحام أفراد الأمة الإسلامية، وهذا غاية ما يكون من التوفيق والسداد والتأييد من الله عز وجل لعباده الذين بلغوا الغاية في التعاون على البر والتقوى، وشد ظهور بعضهم البعض في الجهاد والوقوف صفًا واحدًا ضد أعداء الله وأعداء دين الله. فلنتأمل بعض مقومات هذه الصناعة ولنتأمل بعض عناصر الإسناد الإسلامي التي يسع كل واحد منا اليوم المرابطة على ثغرٍ منها أو أكثر:

عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجلٌ على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [2] ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية" [3] . نعم، هكذا كانت الخطوة الأولى في فطام الفرد المسلم عن النفس والمال، كي يتمكن من بذلهما في تشكيلة الإسناد المسلم والجيش المسلم، وهكذا فعل صدر هذه الأمة رضوان الله عليهم، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن الإسناد الحقيقي للجيش المسلم في كل مكان هو ذلك الرجل المسلم الذي لا يتردد لحظة في بذل نفسه وكل ما يملك في"

(1) ذكر هذه القصة الإمام اللالكائي في الاعتقاد (1/ 314) ، والحافظ ابن حجر في الإصابة (3/ 5) وغيرهما وهي قصة مشهورة

(2) سورة البقرة - آية 195

(3) سنن أبي داود - حديث 2512

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت