سبيل الله، لا يختلج الأمر في صدره ولا يتلجلج، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن معجزة الإسلام تتمثل في صناعة هذا الأنموذج الفريد، وفي إرداف الجيش المسلم بأمثال هؤلاء على مر الزمن وتعاقب الأجيال، ولقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقاء هذا الأنموذج حيًا ظاهرًا مظفرًا منصورًا إلى أن يأتي أمر الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" [1] .
ولا يقتصر إسناد الجيش المسلم على خطوط إمداده وعتاده كما ذكرنا، بل إنه يمتد إلى أعماق المجتمع المسلم، وينتشر في ثنايا المجتمع المسلم؛ في أروقة بيوته، ومحاريب مساجده، ودكاكين تُجّاره، وحلقات دراسته، إنه في خلافة أهل مجاهد وحفظهم، وفي دعاء إمام وقنوته وتأمين من ورائه، وفي مال تنفقه اليد اليمنى تجهز به غازيًا فلا تدري به اليسرى، وفي علمٍ نافعٍ يُحرِّضُ على قتال أعداء الله ونصرة جنده المؤمنين، فما أروع هذه المنظومة الإسنادية التي اختصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:"من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا" [2] ، فيا أيها الجندي المسلم دونك الدنيا بأسرها الميدان؛ إن كنت في الحراسة ففي الحراسة، وإن كنت في الساقة ففي الساقة، وإن بُعثت في الطليعة انبعثت، وإن استُخلفت في المدينة فبخير خلفت، وإن جيشًا هكذا إسناده لجيشٌ فريدٌ حقًا، إنه الجيش المسلم.
(1) صحيح مسلم - حديث 1923
(2) صحيح البخاري - حديث 2843