الصفحة 40 من 79

الرضى بالهوان بدلًا من العز، وانشغال بزهرة الدنيا الفانية عن جنة الآخرة الباقية، إنه حكاية الذل الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" [1] ، وها نحن اليوم ندفع ضريبة الذل هذه من دمائنا وأعراضنا وأموالنا؛ فدماء المسلمين اليوم أرخص الدماء، وأعراض المسلمين اليوم مستباحة ليس لها حظ من النصرة إلا بعض الفتاوى الباهتة التي تبيح إجهاض المسلمة المغتصبة التي تحمل مِن جنود الشيطان [2] ، وأموال المسلمين اليوم نهب لكل من هب ودب، فمتى يكون النفير أيها المؤمن المجاهد، ومتى تكون اليقظة من الغفلة عن نداء الجهاد الذي توعد الله من تولى عنه بالاستبدال حيث قال: (يأيها الذين آمنوا مَن يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليم) [3] .

وتأمل أيها المؤمن المجاهد، كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة الذي كان إيذانًا بمضي فريضة الهجرة الخاصة، وبقاء الهجرة المعنوية بالنية، والهجرة الحسية من دار الكفر وفسطاطه إلى دار الإسلام وفسطاطه، ومن ملاذ الدينا إلى قوارع سيوف الجهاد، فلم يكد يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بجيش الصحابة المجاهدين حتى أخذ يرسل السرايا في طلب رؤوس الكفر وطواغيت الشرك وأوثانه، ليطهر أرض العرب من رجز الطاغوت، وليعلن فرضية جهاد الطلب بالفعل كما أعلنها بالقول؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى العزى ليهدمها فخرج إليها فهدمها، وبعث بعمرو بن العاص رضي الله عنه إلى سواع ليهدمه فخرج إليه وهدمه، وبعث سعد بن زيد رضي الله عنه إلى مناة فخرج إليها وهدمها، وتوالت السرايا والبعوث لتؤكد على أن فتح مكة لم يكن تحريرًا لوطن، ولا ثأرًا لمال وأهل، ولا لأي شيء من متاع الدنيا الزائل، وإنما كان فتح مكة لأجل تطهير البلد الحرام من شوائب الكفر، لتكون قاعدة انطلاق لحركة جهاد عالمية تطهر الأرض كل الأرض من رجس الأوثان، وتحرر الإنسان كل الإنسان من عبودية غير الله إلى عبودية الله وحده لا شريك له، وتخرجه من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

ولقد تحقق كل ذلك بفضل الله تعالى ثم بجهاد المجاهدين الصادقين الذي لم يكلوا ولم يملوا، ولم يضعوا السيوف عن عواتقهم حتى فنت الجيوش تلو الجيوش، وهي تمرر راية التوحيد من جيلٍ إلى الذي يليه،

(1) سنن أبو داود - حديث 3462

(2) وهذا الذي حصل من مجرمي الصرب الذي اغتصبوا آلاف المسلمات البوسنيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وليس المقصود هنا الإنكار على من أفتى بهذه الفتوى المرجوحة، بل المقصود أن حق أخواتنا المسلمات اللواتي انتُهكت أعراضهنّ أن تُستنفر لأجلهنّ جيوش المجاهدين لقطع دابر من تجرأ على أعراضهن، ولكن أين السامع، وأين المجيب؟

(3) سورة المائدة - آية 54

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت