ولن تزال راية الجهاد هذه تتناقلها جيوش المسلمين حتى يتم ما بشر به نبينا صلى الله عليه وسلم:"ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل؛ عزًا يعز اللهُ به الإسلام وذلًا يذل اللهُ به الكفر" [1] . ولعل المسلمين اليوم يظنون أن مسألة الفتح الإسلامي وجهاد الطلب أمرٌ طوته صفحة التاريخ وتحققت غاية ما في البشارات النبوية منه آنفًا، ولم يعد لنا حظ من ذلك إلا الوقوف على الأطلال وتذاكر مجد الأوائل، وإلى هؤلاء نقدم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق قال: فأخرج منه كتابًا قال: فقال عبد الله:"بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تُفتح أولًا قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تُفتح أولًا، يعني قسطنطينية" [2] ، فتأمل أيها المسلم هذه البشارة بل أقول هذا التكليف النبوي العظيم، ولقد حرص المسلمون منذ الصحابة رضوان الله عليهم على الفوز بشرف تحقيق هذه الفتوح، فها هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه يغزو ويرابط مع جيوش المسلمين حتى قضى مرابطًا عند هذا الثغر، ودُفن هناك ليكون عَلَمًا للأجيال من بعده، فإذا بهذا الفتح يتحقق على يد السلطان العثماني محمد الفاتح رحمه الله تعالى بعد ثمانمائة عام من البشارة النبوية، ولئن فاز أولئك بشرف هذا الفتح الذي لا تزال آثاره مضمخة بعبق مسك الشهداء، فإن القسطنطينية اليوم تتنظر فتحًا جديدًا يكون من ورائه فتح رومية، فأين سواعد المشمرين، وأين همم المجاهدين؟ مخطئ من يظن إذًا أن مسألة الفتوحات الإسلامية وجهاد الطلب إرثٌ تاريخيٌ نلوكه في حلقات الدرس ثم نلفظه مع فقه الواقع، كلا والله، فلقد قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر والمغنم" [3] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد" [4] ، وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل؛ عزًا يعز اللهُ به الإسلام، وذلًا يذل اللهُ به الكفر"، وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصَغار والجزية. [5]
(1) مسند الإمام أحمد - حديث 16998
(2) مسند الإمام أحمد - حديث 6645
(3) صحيح البخاري - حديث 2852
(4) فتح الباري - 6/ 56
(5) مسند أحمد - حديث 16998