الفصل السادس: الجهاد ترصدٌ ورباط
إن الجهاد في سبيل الله عبادة تجمع الأمر بتحصيل الأسباب الشرعية والكونية في توازنٍ دقيق، فلا يركن المجاهد إلى أسباب القوة المادية مجردةً عن عبودية التوكل، كما لا يتوانى عن أخذ ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم به من أسباب، هي مؤشرات على بذل المسلم وسعَه في تحصيل آلة الجهاد، غير متكلٍ عليها بل مفوضًا أمره إلى الله تعالى. ونحن نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه آيات التوكل على الله، متجردين بذلك عن كل ما سواه، في نفس الوقت الذي يخرج فيه للقتال وقد وضع المغفر، وأخذ اللأمة، وصف الصفوف، وتحصن بالجبال، ووارى في خروجه، وبث العيون، ووضع الحرس على الثغور والربط، كل ذلك ليعلم هذه الأمة أن العبودية كل العبودية في تجريد التوكل لله تعالى، وأن العبودية كل العبودية في حسن الظن بالله تعالى، والأخذ بالأسباب التي خلقها وجعلها أسبابًا لما أمر المسلمين به من قتال أهل الكفر، وكسر شوكتهم، وإعلاء كلمة التوحيد، وإسفال كلمة الكفر.
إن سوء فهم منظومة النصر في الإسلام قد تدفع بالبعض إلى توهم أن مجرد الانتساب إلى الإسلام هو مناط النصر، في حين أن النص القرآني الصريح يشير إلى غير ذلك، فتأمل قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبِّت أقدامكم) [1] ، فالنصر من الله في مقابل النصرة من المؤمنين وهي تقتضي تعاطي أسباب النصر العسكري من عدد وعدة، وهذا التعاطي هو كغيره من أعمال العبادات لا تحقق شيئًا بنفسها، وإنما هي أمارات صدق المكلف في تحقيق إيمانه بالله تعالى، فالذي يفهم من قوله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) [2] تركَ أسباب الإعداد العسكري توكلًا على الله بزعمه، فعليه أن يفهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما من أحد يُدخله عملُه الجنة. فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا"
(1) سورة محمد - آية 7
(2) سورة آل عمران - آية 126