الصفحة 46 من 79

أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمة" [1] تركَ العبادات والأعمال والركون إلى رحمة الله، وليس الأمر كذلك في الحالين البتة؛ فكما أن العمل والعبادة سببٌ لتحصيل رحمة الله المفضية لدخول الجنة، فكذلك الأخذ بأسباب القوة المادية والإعداد العسكري سببٌ لتحصيل نصرة الله عز وجل. ولا بد من قراءة السيرة النبوية قراءةً متأنية فاحصة لندرك تمام الإدراك أن الربط على القلوب والتثبيت للأقدام لا يكون من نصيب المتقاعسين القاعدين عن الإعداد والترصد والمرابطة على ثغر الجهاد ليكون جاهزًا في كل زمان ومكان لمقارعة أعداء الحق ومنازلة جند الباطل دحضًا لكلمة الكفر تحت أقدام الموحدين، وإعلاءً لكلمة الله سبحانه وتعالى."

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عينان لا تمسهما النار، عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله" [2] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سَوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" [3] ، فلنتأمل هذه الأحاديث في فضل الترصد والرباط والحراسة في الجهاد، ولنتأمل كيف عمل الصحابة رضوان الله عليهم بهذه الأحاديث؛

فعن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، فأصاب رجلٌ من المسلمين امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا أتى زوجها، وكان غائبًا، فلما أُخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دمًا، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلًا فقال: مَن رجلٌ يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار قالا: نحن يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: فكونا بفم الشِعب. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نزلوا إلى شعب من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أَحبُّ إليك أن أكفيك، أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله. قال: فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى زوجُ المرأة، فلما رأى شخص الرجل، عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم رماه بسهمٍ آخر فوضعه فيه فنزعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد له الثالثة فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع فسجد، ثم أهب صاحبه وقال: اجلس فقد أُتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أنه قد نذر به هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! أفلا أهببتني أول ما رماك؟! قال: كنت

(1) صحيح مسلم - حديث 2816

(2) سنن الترمذي - حديث 1639

(3) صحيح البخاري - حديث 2892

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت