في سورة أقرأها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها" [1] ."
فهذا الصحابي الجليل عبّاد بن بشر رضي الله تعالى عنه وأرضاه تتقطع نفسه، ويتمزق جسده، وتنتثر دماؤه وهو ثابتٌ على ثغره، مشغولٌ بكتاب ربه، ولولا خوفه أن تفتلت نفسُه فيضيع ثغر المسلمين لما أوقظ صاحبه، فأي تربية هذه التي تعلم هؤلاء الجند الربانيين السمو الروحاني الذي ما بعده سمو، وما هذا الانضباط العسكري الذي يعرف الجندي المسلم به متى يقف عند حد استطاعته لا جُبنًا عن الموت ولكن حفظًا لمصلحة الجماعة، والتزامًا بمنظومة الأسباب التي أُمر بتحصيلها. إن فعل هذا الصحابي الجليل هو مدرسة عسكرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مدرسةٌ في الإعداد المعنوي، ومدرسةٌ في الإعداد المادي، ومدرسةٌ في الانضباط العسكري، ومدرسةٌ في العمل الجماعي، إنها مدرسةٌ ربانيةٌ محمديةٌ تجمع خصائص النص القرآني البديع: (وكأيِّن مِن نبيٍ قاتَل معه رِبيُّون كثيرٌ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولَهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فآتاهم الله ثوابَ الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) [2] .
وإن من المهام العظيمة التي تتعلق بالترصد والمرابطة على ثغور المسلمين مراقبة وترصد الجواسيس والعيون الذين يتطلعون على عورات المسلمين وأسرارهم التي تمس أمن الدولة الإسلامية، بحيث لا يُسمح لأحد أن يهدد أمن المسلمين بنقل خبرٍ أو كشف سرٍ يضر بجماعة المسلمين، فعن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اطلبوه واقتلوه"، فقتلتُه فنفله سلبه" [3] ، وعن علي رضي الله عنه يقول:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ [4] فإن بها ظعينة [5] معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تَعادَى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لَتُخِرِجِنَّ الكتاب أو لَنُلقِيَنَّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر
(1) صحيح ابن حبان - حديث 1096، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه - حديث 36، وأبو داود في سننه - حديث 198
(2) سورة آل عمران- آية 146 - 148
(3) صحيح البخاري - حديث 3051 والعين هو الجاسوس. والسلب: ما يغنم من الحربي المقتول في الحرب.
(4) اسم موضع بين مكة والمدينة
(5) الظعينة: المرأة تكون في الهودج