تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، سبحانه وتعالى وجل في علاه، إنما هو الاصطفاء والاختيار والتمحيص والاختبار ليتأهلَ مَن كتب اللهُ تعالى له السعادة لدار النعيم الدائم، وليحقَّ القولُ على الكافرين والمنافقين في دركات الجحيم، قال تعالى: (ولَنَبلُوَنَّكم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين ونبلُوَ أخباركم) [1] ، وقال تعالى: (ولِيعلم الله الذين آمنوا ويتخذَ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) [2] .
ولما كنا نحن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورين بإحياء سنته، وإظهار شعائر ملته، وموالاة أهل ديانته، والبراءة من أهل عداوته، كان حقًا علينا السعي بكل ما نملك لإحياء هذه الفريضة العظيمة بقلوبنا، وألسنتنا، وجوارحنا، يجاهدُ كلٌ منا بما يستطيع مِن ذلك كلَّ ما يتوجه إليه الجهاد من النفوس والشياطين والكفار والمنافقين. وهذا الكتاب رسالةٌ أوجهها إلى نفسي أولًا، ثم إلى كل إخواني في الله تهييجًا وتحريضًا على الجهاد باعتباره عبادةً ربانية، وشريعةً محمدية، لها شروطها ومقدماتها وأركانها وواجباتها وسننها وفقهها وأحكامها، لا يسع أحدًا منا الإقدامُ عليها إلا بتحرير ركنَي السلامة في الأعمال؛ تجريد النية الخالصة لله تعالى، وتجريد المتابعة الخالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فالنية الخالصة بالجهاد تحت راية الإسلام لا غَير، لنصرة الإسلام لا غير، والمتابعة الخالصة بضبط هذه العبادة لتكون وفق الشرع فتؤتي أُكلَها وثمارَها وتمنع مِن تحولها إلى تهارجٍ وسفكِ دماءٍ عبثي لا يحقق للشريعة مقصدًا، ولا يؤلف على الإسلام أحدًا. والمقصود أن هذا الكتاب لا يُقصد منه تحرير وبيان الأحكام الفقهية للجهاد، فلذلك مكانه في متون الفقه وحِلَق العلم وتوجيهات العلماء، وإنما هو كتابٌ في الحث على هذه العبادة والحض عليها، حتى إذا استجاب المخاطَب لهذا التهييج والتحريض توجّه الخطابُ عليه بالتفقه في كيفية أداء هذه العبادة على وجهها المشروع، فكما أن ما يُكتب في بيان فضائل العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج لا يُغني ولا يُعفي أحدًا مِن تعلُّم كيفية أداء هذه العبادات على وجهها المشروع، فكذلك الحال مع هذا الكتاب، ومَن فهم مما يأتي فيه على أنه دعوةٌ للتكفير المنفلت من ضوابط الشرع، والتهارج المؤجج لنار الفتنة، والتقاتل الذي لا يَعرف لدماء المسلمين حُرمةً فيمضي على غير بينةٍ وعلى هدىً ولا كتابٍ منير فأنا أُشهد الله أني منه ومن ذلك بريء.
إن المقصود من هذا الكتاب تسليط بعض الضوء على روح الجهاد والتحليق في علياء سمائه، والتعرف على سمو غاياته، وتحديث النفس بالإعداد له، حتى تتوق النفوس إلى تتبع خطى سلف هذه الأمة بجهادٍ
(1) سورة محمد - آية 31
(2) سورة آل عمران - آية 140