الصفحة 59 من 79

الفصل الثامن: الجهاد كرٌ وفرٌ

إن الثبات أمام جحافل الكفر وجند الشيطان يفتقر إلى تثبيت الله تعالى لجند الموحدين، ولا يملك المسلم إلا أن يتعاطى أسباب هذا الثبات، ثم يرجو محض الفضل والنعمة من الله تعالى بتحقيق ثمرته. وإن من هذه الأسباب بعد إخلاص النية لله تعالى وتجريد القصد في الجهاد إعلاءً لكلمته جلَّ وعلا، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال تحت لواء التوحيد لا غير، أن يحترز المؤمن المجاهد من الفرار والتولي من المعركة، فقد قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولّوهم الأدبار. ومن يُولِّهم يومَئذٍ دُبُرَه إلا متحرفًا لقتالٍ أو متحيِّزًا إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) [1] ، وصح في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" [2] ، فلا يخفى أن التولي من المعركة والفرار من القتال كبيرةٌ من الكبائر التي يتوجب الحذر من الوقوع فيها، وإن تلاحم الصفوف والتقاء جيوش الحق والباطل مظنة تسرب الخوف والهلع إلى النفوس، فكان من رحمة الله تعالى بجند الإيمان وعباد الرحمن أن حذَّرهم من مغبة الفرار من القتال، وإلا صار لهم حظٌ من قول بني إسرائيل لموسى عليه السلام فقد قال تعالى: (قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون) [3] ، وتأمل هذا الموقف من بني إسرائيل في مقابل موقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله

(1) سورة الأنفال - 15 - 16

(2) صحيح مسلم - حديث 89

(3) سورة المائدة - آية 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت