بن مسعود رضي الله عنه يقول:"شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبَه أحبُّ إليَّ مما عُدِل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال:"لا نقول كما قال قوم موسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا) ، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك"، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه"يعني قوله [1] .
ولقد كان هذا الثبات عزيمةً من الله تعالى، وكان شأنه في أول الإسلام أشد ثم خففه الله تعالى برحمته،
فقد قال الله تعالى: (يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين. يأيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون. الآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) [2] ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) ، شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفرَّ واحدٌ من عشرة، فجاء التخفيف فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائةٌ صابرة يغلبوا مائتين) ، قال: فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خُفف عنهم" [3] ، ولكن بقيت بشارة الآية كما ذكر ابن كثير رحمه الله، وبقيت القاعدة الأساسية التي يقاتل عليها المسلمون المجاهدون: (كم من فئةٍ قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله) [4] ، ولكن الحديث هنا عن المقام التكليفي الذي لا يسوغ للمجاهد الفرار فيه، أما مقام البركة والبشارة فذلك شأن آخر ..."
بقي الكلام في قوله تعالى: (ومن يُولِّهم يومَئذٍ دُبُرَه إلا متحرِّفًا لقتالٍ أو متحيِّزًا إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) [5] ، إذ ليس كل فعلٍ فيه انحرافٌ عن موضع القتال مرادفٌ للفرار المذموم، فلقد استثنت الآية الكريمة مَن ولَّى دُبُرَه للكفار في المعركة بهدف التحرف للقتال من قبيل الكر والفر، ومن قبيل الاستدراج والإغراء للعدو، واستثنت مَن ولَّى العدو دبره لينحاز إلى فئة المسلمين، ولعل بيان هذا الحكم يحتاج إلى بيان وقائع من السيرة النبوية المطهرة كي تطمئن نفس المجاهد إلى التمييز بين الفرار المذموم المحرم وبين تولية الدبر لمقصد شرعي محمود؛
(1) صحيح البخاري - حديث 3952
(2) سورة الأنفال - آية 64 - 66
(3) صحيح البخاري - حديث 4653
(4) سورة البقرة - آية 249
(5) سورة الأنفال - 16