فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال:"أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب، ثم أخذ جعفر فأُصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأُصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" [1] ، وكان هذا في غزوة مؤتة، وقد واجه فيها جيشُ المسلمين آنذاك وهم ثلاثة آلاف جيشَ هرقل وفيه مائة ألف من الروم، ومائة ألف انضموا إليهم من قبائل أخرى، وقد تشاور المسلمون في شأن مواجهة جيش هرقل، حتى قال لهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه:"يا قوم، والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظفر وإما شهادة" [2] ، فمضى الناس حتى لاقوا الروم بتخوم البلقاء، وكانت موقعة عظيمة بين المسلمين والروم، اقتتلوا وكانت الراية في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم وخرَّ صريعًا، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قُتل، فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام عند القتال، فقُطعت يمينه فأخذ الراية بيساره، فقُطعت يساره فاحتضن الراية حتى قُتل، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وتقدم بها وهو على فرسه، وجعل يستنزل نفسه ويردد بعض التردد ثم نزل، ثم أخذ سيفه وتقدم وقاتل حتى قُتل، وأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجلٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القومَ، وحاش بهم ثم انحاز بجيش المسلمين وانصرف بالناس، واستنقذ الجيش [3] . ولقد استطردت بعض الشيء في سرد وقائع المعركة ليتبين السياق الذي انحاز فيه خالد بن الوليد رضي الله عنه بالجيش، وليتبين أن الانحياز بجيش المسلمين واستنقاذه من مثل هذه المجابهة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا؛ ثلاثةُ آلاف مجاهد من المسلمين في مقابل مائتي ألف من الكفار، إن الثبات في هذه المواجهة بحد ذاتها انتصار عسكري، وإن الانحياز بالجيش واستنقاذه من هلاكٍ محتم انتصار عسكري، وهذا هو مفهوم الكر والفر، والمجابهة والانحياز إلى فئة المسلمين، وإن موقف خالد بن الوليد في هذه المعركة وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم على تصرفه في الانحياز بالجيش يبين لنا أن جهاد الدولة الإسلامية ليس قتال تهور وهلاك، بل هو إقدام وشجاعة في موضعه، وحكمة وحنكة في موضعها، والله تعالى أعلم.
(1) صحيح البخاري - حديث 4262
(2) زاد المعاد - 3/ 337
(3) زاد المعاد - 3/ 338 بتصرف واختصار يسير