الصفحة 62 من 79

ويؤكد هذا المعنى ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لما هُزم أبو عبيدة:"لو أتوني كنت فئتهم" [1] . والمقصود أن الانحياز بجيش المسلمين إلى جماعة المسلمين بنية التحيز لاستئناف الكرِّ مرةً أخرى لا يدخل في كبيرة التولي يوم الزحف، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله:"وأما التحيز إلى فئة فهو أن يصير إلى فئةٍ من المسلمين ليكون معهم، فيقوى بهم على عدوهم، وسواء بعُدت المسافة أو قرُبت" [2] .

وأما التحرف للقتال فمعناه كما قال ابن قدامة رحمه الله:"أن ينحاز إلى موضعٍ يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خيلهم من رجالتهم، أو ليجد فيهم فرصة، أو ليستند إلى جبل ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يومًا في خطبته إذ قال: يا سارية بن زنيم الجبل" [3] .

بقيت كلمة في مسألة مهمة اليوم، وهي ما بات يُعرف بحرب العصابات، حيث إن انفراط عقد الدولة الإسلامية، وتعطيل الجهاد"الرسمي"قد كشف بلاد المسلمين لأعدائهم، وباتت جيوش الكفار تصول وتجول وتعيث في أراضي المسلمين فسادًا، فأرض المسلمين في شتى أرجاء المعمورة أصبحت ساحة استعمار لجيوش الكفار، وأصبح الجهاد منوطًا بأفراد وجماعات استشعروا ثقل الأمانة وواجب التصدي لجيوش الكفر التي تستبيح دماءنا وأعراضنا وأموالنا وديارنا، وغنيٌ عن القول أن هذا الجهاد هو من جهاد الدفع الذي يُقصد منه دفع أذى الكفار عن المسلمين، ولا تشترط له راية ولا إذن على ما هو مبسوط في كتب الفقه، والشاهد هنا أن طبيعة هذا القتال المعروف اليوم بحرب العصابات والذي يندرج تحت جهاد الدفع، يستلزم بطبيعته أن يأوي المجاهدون إلى فئةٍ من المسلمين، ويستلزم تعاونًا وتكاملًا وتكاتفًا بين المجتمع المسلم الواقع تحت احتلال الكفار من جهة، وعصبة المجاهدين الذين نذروا نفوسهم ونفروا من دفء فراشهم ودعة عيشهم لنصرة الإسلام والمسلمين، ولدفع أذى الكافين المحاربين. إن فهم حيثية الكر والفر، والتحرف والتحيز في القتال عظيمة النفع في تهييج المجتمع المسلم على احتضان عصبة المجاهدين وتمكينهم من الأمن الحركي اللازم لهم لتسديد الضربات الموجعات المفجعات المهلكات ضد جيوش الكفر والعدوان، ولئن كان مفهوم التحرف والتحيز في القتال مطبَّقًا في عصر النبوة والخلافة ما بين المجتمع المسلم وجيوش المسلمين الخارجة في جهاد الطلب والدعوة، فلأن تكون مطبقة قائمة في

(1) سنن البيهقي الكبرى - حديث 17864

(2) المغني - 9/ 255

(3) المغني - 9/ 255

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت