قال الله تعالى: (والعاديات ضبحًا. فالموريات قدحًا. فالمغيرات صبحًا. فأَثَرن به نَقعًا. فَوَسَطن به جمعًا) [1] ، إنها أقسامٌ عجيبةٌ حقًا، يقسم رب العزة سبحانه وتعالى بالخيل العاديات التي تغير صبحًا على معاقل الكفر، وتثير بحوافرها غبار النقع، وتتوسط الجموع وكأنها سهم خارق لا يمنعه شيء عن الوصول إلى هدفه، ولكن هذا الذي يراه الناظر ضباح خيل، وقدح حوافر، وغبار نقعٍ، كيف يراه المجاهد في سبيل الله، وكيف يستشعره وهو يستشرف الشهادة والقتل في سبيل الله؟
فلنتأمل في هذه المواقف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتدبر كيف كان استشعارهم لعناصر المعركة حيث يثار النقع، وتغير الخيل، وينقدح الشرر من حوافرها المصطكة بأرض المعركة، لنتدبر كيف يستشعر المجاهد ساحة المعركة في لحظات صفاء قلبه، وثبات يقينه، وعلو همته، وصدق إخلاصه لله تعالى، ولنرى إن كان يرى ما يراه الناظر بعينيه، أم أنه يرى شيئًا آخر غير ذلك، ويستشعر شيئًا آخر غير ذلك، فلنتدبر:
عن أنس رضي الله عنه:"أن عمَّه غاب عن بدرٍ فقال: غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم، لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أُجِدُّ. فلقي يوم أُحُد، فهُزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون. فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أُحُد، فمضى فقُتل، فما عُرف حتى عرفته أخته بشامةٍ -أو ببنانه- وبه بضعٌ وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم" [2] .
(1) سورة العاديات - آية 1 - 5
(2) صحيح البخاري - حديث 4048