وعن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُد لطلب سعد بن الربيع، وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسولُ الله، كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربةً ما بين طعنةٍ برمح، وضربةٍ بسيف، ورمية بسهم، فقلت له: يا سعد، إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام، وعليك السلام، قل له: يا رسول الله، أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يُخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف، قال وفاضت نفسه رحمه الله" [1] .
هذان أنموذجان من سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكون لنا شيئًا عجيبًا، ويصورون لنا مشهدًا غريبًا مختلفًا عما يراه باقي الناس، إنهم يجدون ريح الجنة، وأي جنة، إنها جنة عرضها السماوات والأرض، وإن هذا الذي يجده المجاهد في سبيل الله من ريح الجنة يفسر لنا شعورهم باستبطاء الشهادة، واستثقال الانتظار الحاصل لأي عارضٍ يحول بينهم وبين القتل في سبيل الله، تأمل ذلك الصحابي الجليل عمير بن الحمام رضي الله عنه وأرضاه، فقد جاء في الحديث في غزوة بدر:"فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض. قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض! قال: نعم. قال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخ بخ. قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تُمَيراتٍ من قَرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياةٌ طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم، حتى قُتل" [2] .
نعم، إنها حياةٌ طويلة لمن يجد ريح الجنة، وإنها لحياة طويلة لمن أيقن يقين المعايِن للأمر فأدرك أن ما يحول بينه وبين جنة الرحمن هو إراقة دمه في سبيل الله، ففيم التباطؤ، وفيم والتأخر، وأي تمراتٍ أو أُكلات تلك التي تُؤخره عن الجنة ...
قد يقول قائلٌ إن هذه التعابير هي أساليب لغوية لا يُراد منها حقيقتها، ولكننا نقول إن تصرفات الصحابة تدل على أنهم يتكلمون عن حقائق يعاينونها فينفعلون لها في لحظات صدق نادرة الحدوث عزيزة الوجود في السلوك البشري.
(1) المستدرك على الصحيحين - حديث 4906، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
(2) صحيح مسلم - حديث 1901